ومن هذه الشروط يتبين أن الحكم على الحديث المرسل وعلى المُرسل نفسه أمر صعب يحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ من الأئمة النقاد ممن له باع في علم الحديث حتى يتحصل على أن الحديث في حقيقته مرسل، وهل أن إرساله هنا متحمل يصحح الحديث، أو أن هذا الإرسال لا يحتمل فيرد الحديث، والمرسلون من رواة الحديث كثر، لذلك لزم التحري والتدقيق لبيان الحكم وإزالة الشك والوهم إن وقع في مثل هكذا أحاديث، إذًا فالإرسال من الدواعي إلى الوهم ولاسيما إذا كان المرسل يرسل عن الضعفاء والمتروكين، أما إذا كان المرسل ثقة من أمثال سفيان وقتادة وسعيد بن المسيب ولا يرسل إلا عن ثقة فلا بأس والله أعلم، ففي الصحيحين أحاديث مرسله عن سفيان وعطاء وسعيد وغيرهم، ومن شيوخ الإمام شعبة الذين كانوا يرسلون الأعمش وقتادة وأبي إسحاق السبيعي ويحيى بن أبي كثير، ويقول عنها يحيى بن سعيد القطان: شبه لا شيء أو شبه ريح، ذلك أن هؤلاء الأئمة الأعلام كانوا يحدثون عن الثقاة وعن الضعفاء [1] .
قال الأعمش: قلت لإبراهيم: إذا حدثتني حديثًا فأسنده فقال: إذا قلت عن عبد الله- يعني ابن مسعود- فأعلم أنه عَنْ غير واحد، وإذا سميتُ لك أحدًا فهو الذي سميت [2] ، وقال خالد الحذاء: سمعتُ محمد بن سيرين يقول: كلّ شيء حدثتكم عَنْ أبي هُرَيرة فهو عَنْ النبي (- صلى الله عليه وسلم -) [3] . يعني أنه كان لا يرفع الحديث إلى النبي (- صلى الله عليه وسلم -) أحيانًا. وقال أبو داود: كان ابن سيرين يرسل وجلساؤه يعلمون أنه لم يسمع، سمع من ابن عمر حديثين، وأرسل عنه نحوًا من ثلاثين حديثًا [4] .
(1) العلل الصغير للترمذي: 5/ 754.
(2) مسند أحمد بن حنبل: 1/ 437؛ إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة، لابن حجر، تحقيق: زهير بن ناصر الناصر، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، (المدينة: 1415 هـ - 1994 م) : 10/ 417.
(3) تاريخ دمشق، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله ابن عساكر (ت 571 هـ) ، تحقيق: عمرو بن غرامة العمروي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، (د. ت: 1415 هـ - 1995 م) : 53/ 188.
(4) سؤالات أبي عبيد الآجري لابي داود السجستاني: 55.