الصفحة 101 من 297

29 -أخذ الحديث حال المذاكرة:-

والمذاكرة اصطلاح يستعمله المحدثون، يعنون بها مطارحات علمية ومساجلات حديثية، يعرض فيها الجلساء من حفاظ الحديث وطلبته لذكر فوائد الأحاديث وغرائب الأسانيد وخفي التعليلات، يسأل بعضهم بعضًا عن ذلك، ويفيد الواحد منهم الآخر ما غاب عنه. وقد كانت المذاكرة هذه من أبرز سمات المحدثين في عصوره الأولى مثل الرحلة في طلب الحديث، ولها آدابها وشروطها المنصوص عليها وفوائدها، وأخبارها المروية فيها [1] .

كان المحدثون يحثون على مذاكرة الحديث ويحرصون عليها حرصًا شديدًا؛ لما وجدوا فيها من الفوائد؛ كاستذكار الحديث وتحفظه، واستدراك ما فاتهم من الأحاديث في الباب الذي يذاكرون فيه، وكشف الخلل والعلل في الأحاديث التي يحفظونها، وكشف الضعفاء والكذابين من الرواة. قال علي بن أبي طالب: تزاوروا وتذاكروا الحديث؛ فإنكم إن لم تفعلوا يدرس. وقال أبو سعيد الخدري: تحدثوا؛ فإن الحديث يهيج الحديث. وكانوا يتساهلون في المذاكرة ويتسمحون، فيحدث أحدهم حال المذاكرة بالحديث على غير وجه التحديث، ويأخذ أحدهم حال المذاكرة ما لا يأخذه في مجلس السماع. وقال سفيان الثوري: إذا جاءت المذاكرة جئنا بكل، وإذا جاء التحصيل جئنا بمنصور بن المعتمر. وقال الخطيب: إذا أورد المحدث في المذاكرة شيئا أراد السامع له أن يدونه عنه؛ فينبغي له إعلام المحدث ذلك؛ ليتحرى في تأدية لفظه، وحصر معناه.

ثم أخرج عن أبي موسى محمد بن المثنى؛ أنه قال: سألت عبد الرحمن، يعني: ابن مهدي عن حديث، وعنده قوم، فساقه، فذهبت أكتبه، فقال: أي شيء تصنع؟ فقلت: أكتبه، فقال: دعه؛ فإن في نفسي منه شيئا، فقلت: قد جئت به، فقال: لو كنت وحدك لحدثتك به، فكيف أصنع بهؤلاء؟. ثم ساق الخطيب بسنده عن بكر بن خلف قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: حرام عليكم أن تأخذوا عني في المذاكرة حديثًا؛ لأني إذا ذاكرت تساهلت في الحديث، وأصبح المحدثون يكشفون علل

(1) نصائح منهجية لطالب علم السنة النبوية، حاتم بن عارف بن ناصر الشريف العوني، دار عالم الفوائد، (مكة المكرمة: 1418 هـ) : 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت