مقدمة: اختيار الموضوع
لماذا اختيار التحقيق؟
الجواب عن هذا السؤال يتوقف على معرفة قيمة التحقيق، و أهميته العلمية في الحقل المعرفي و الحضاري.
إن التحقيق هو الضبط و الإثبات و التصحيح. و في الاصطلاح بذل العناية بالكتب المخطوطة حفظا و دراسة و تحقيقا.
إنه عمل يندرج في مجال معرفي خصب واسع، و هو مجال إحياء التراث، و التعريف به، و تقديمه في صورته الكاملة دقة و صحة و سلامة، لتكون الفائدة منه أكثر جدوى و نفعا.
إلا أن هذا التراث التاريخي، مفعم بأساليب سلوك، و طرائق تفكير و أفعال. فهل على باعث هذا التراث أن يتقيد بهذه الأساليب و الطرائق، يمجدها و يمجد الشخصيات الفاعلة لها؟
إن مناقشة التراث و نقده من الأمور الموضوعية المسلم بها علميا، لأن التراث يحتمل فيه الخطأ كما يحتمل فيه الصواب.
لهذا فإحياء التراث بتحقيقه، و ضبطه، و مناقشته و نقده، و تقديمه في أكمل صورة له مزية علمية لا تخفى و لا تقدر، ليس في مجال دون آخر، و إنما في جميع مجالات العلوم الإنسانية.
و إن مجال البحث في التراث التاريخي العربي الإسلامي مجال حي خصب للحوار بين جيل الحاضر و جيل الماضي، على المستوى الفكري و الحضاري، على أساس أن يكون هذا الحوار بناء يحتكم إلى العقل و استلهام التجربة الحضارية، حوار يتعدى الاستمتاع بلذة النص و حب الإطلاع المعرفي، إلى النظر و التأمل في الحلول الناجعة لإشكالات الواقع، واقع الحاضر المعيش، و تلمس طريق المستقبل المؤمل و المنشود، لتلبية مصالح الوطن و الأمة و الإنسانية عامة.
و الحوار بين الماضي و الحاضر و الحاضر و المستقبل، حوار مستمر لا يتوقف في الفكر البشري، و يجب أن لا يتوقف.
إن وعيي بالقيمة و الأهمية العلمية و المعرفية و الحضارية التي تكتسيها عملية تحقيق التراث و البحث فيه، هو الذي حدا بي إلى اختيار مخطوط يعالج تاريخ المغرب العام، و تاريخ المغرب الحديث و المعاصر على وجه الخصوص.