الصفحة 372 من 615

[اتصاف المولى سليمان بالعلم و عنايته بالعلماء]

و وصفه بالعلم حقيق، سارت به الركبان و تعجبت الجهابذة من فهمه الدقيق، فكان (وحيد) عصره في الاعتناء باقتناء العلوم في المغرب، و سعى في تقريب كل ماهرو مطنب، و جمع أئمة الحديث من كل أعجمي و معرب للمذاكرة و التفهم. إلى أن بلغ الغايةفي التقدم، و تضلع من المعقول و المنقول، و (المعلوم) و المجهول، كما تضلع في الحديث و التفسير، و علا على كل من تكلم فوق منبر و سرير، و سبح في بحر الأصول، و البيان، و النحو، و أنساب العرب، و النوادر التي يرقص لسماعها و يطرب، حتى صار علما يهتدى به، و إماما يقتدى به، و صار من يحضر مجلسه من الفقهاء لسرد كتب الحديث و التفسير، و المذاكرة في حل مشكلها الخطير العسير، يكتسبون من وفره، و يغترفون من بحره، و يتناول راية السبق في فهم المشكلات و حل المعضلات التي يعجز عن فهمها و إدراكهاجهابذة النقاد، و لا يفتح حصونها إلا من له فهم ثاقب و ذهن نقاد، فيحل مشكلها بمايشفي الغليل، و يبري العليل. و أما توقيعاته في رسائله للأمراء، و القضايا و العلماء فيمايرد على بابه من القضايا و الشكايا، و زجره لهم فيما يرتكبونه من الرخص التي تنسى بسببها أنواع الرزايا و الخزايا، فسهم ينفذ المقاتل، و عضب ماضي قاتل.

و سوطه في العتب و التقريع، و الوعيد و التّشنيع، فشي ء لا يسبح في بحره سابح، و لايلحقه طائر و لا سائح. و أما تنزله و تواضعه في رسائله لأهل مودته فشي ء يسلب الوقار، و يفعل في العقول ما يفعله العقار.

و بالجملة، فقد ألقت إليه العلوم زمامها، و أصبح لأئمة الأنام حجتها و إمامها، مع بروره بطلبة العلم غاية، و جلب النفع لهم و الإحسان معهم فوق النهاية، فانتشر في أيامه العلم أي انتشار. و اعتزت طلبته و نفذت حذاقتهم و فصاحتهم في الرسائل و الأشعار. حكى لنا غير واحد من الأئمة الأعلام أن الأديب الحسيب، الفاضل النجيب، العلامة النحرير، حامل راية التحقيق و التحرير، أبا عبد الله محمد بن الشاهد الجزائري، أحد مشائخ الجزائر، قد أنشأ قصيدة ضمنها على (جهة) التورية أبواب مختصر [خليل] من أوله إلى آخره،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت