ماذا نلاحظ في هذه المواقف؟
يلاحظ في خطاب المشرفي، نوع من التحيز للدولة الفرنسية، و كأنه يوافق على هذا الاحتلال. فقد كان يعارض أن تستعين الدولة المغربية بالدول الأجنبية خاصة الدولة الإنجليزية، فضمن كتابه الحلل البهية وثيقة تاريخية، ينفرد بها عن سائر المؤرخين، و هي عبارة عن لائحة تتضمن فكرة الاستسلام و التخلي عن توات دون الإصغاء إلى الأجانب و دون إثارة فتنة. إلا أنه لم يطلعنا لا عن مصدر هذه الوثيقة و لا عن كاتبها.
و هكذا، نلاحظ أنه في الوقت الذي وجه المشرفي النقد اللاّذع للمسؤولين المغاربة، ساق لنا وثيقة تتضمن فكرة الاستسلام، و هو ما يعني وجود موقفين متعارضين (النقد و الاستسلام) أوقعا المشرفي في تناقض، و من ثمّ في ثنائية الخطاب.
فكيف يمكن تفسير هذه الثنائية؟
إن المشرفي كان حريصا على وحدة لتراب الوطني المغربي و استقلاله، و كان دفاعه عن الإسلام و المسلمين من المسائل الأولى التي احتلت مكانة بارزة في جميع خطاباته.
و إذا كان قد وقع في تناقض، و هو التناقض الذي جعل عبد الله العروي 28يتساءل عن شخصية و هوية المشرفي، فإن ذلك ربما كان ناتجا عن تأثره بالدعاية الفرنسية 29، خاصة و أنه كان يرى على أن الاحتلال أصبح شيئا واقعا و حتميا، ففضل أن يكون هذا الاحتلال من طرف الفرنسيين لا من طرف الإنجليز الذين كان يبغضهم أشد البعض، و يكرههم أشد الكره، في وقت كان البلاط السلطاني يعج بهم و يموج.
المقترحات الإنجليزية في الإصلاح (1319/ 1901)
في إطار التنافس الأوربي على المغرب، عملت الدولة الإنجليزية بدهائها السياسي على جذب كبار الشخصيات في البلاط السلطاني، و في مقدمتهم وزير الحرب المهدي بن العربي المنبهي الذي كان الشخصية المفضلة لدى السلطان عبد العزيز. و قد أقنع المنبهي السلطان بأهمية الإصلاحات المقترحة من طرف الإنجليز و نتائجها التحضرية الإيجابية.
هذه الإصلاحات تناولها المشرفي بشيء من الإسهاب دون أن يخف موقفه المتشدد منها و من دعاتها.
فكيف تمت المحاولات الإنجليزية لتمرير سياستها الإصلاحية بالمغرب؟