فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 59

حكم أبناء المرتدين

وأما أبناء المرتدين فقد ذكر العلماء أن من وُلد منهم قبل الردة أو كان حملا قبلها فإنه مسلم، بخلاف من كان حملا أو وُلد بعد الردة فهو محكوم بكفره تبعا لأبويه، وهذا في حكم الظاهر وأحكام الدنيا والقتال، وذلك عملا بحديث الصعب بن جثامة وابن عباس رضي الله عنهما.

فقد روي البخاري عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة رضي الله عنهم قال: مر بي النبي صلى الله عليه وسلم بالأبواء أو بودان وسئل عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم، قال: (هم منهم) وسمعته يقول (لا حمى إلا لله ولرسوله) ، والحديث عند مسلم عن ابن عباس عن الصعب بن جثامةرضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: لو أن خيلا أغارت من الليل فأصابت من أبناء المشركين، قال: (هم من آبائهم) [1]

وقد قال ابن حجر رحمه الله في شرح هذا الحديث: (هم منهم) أي في الحكم في تلك الحال وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم، بل المراد إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلا بوطء الذرية فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم. اهـ [2]

قال ابن قدامة رحمه الله: فأما الأولاد فإن كانوا وُلدوا قبل الردة فإنه محكوم بإسلامهم تبعا لآبائهم، ولا يتبعونهم في الردة لأن الإسلام يعلو وقد تبعوهم فيه، فلا يتبعونهم في الكفر، فلا يجوز استرقاقهم صغارا لأنهم مسلمون، ولا كبارا لأنهم إن ثبتوا على إسلامهم فهم مسلمون، وإن كفروا فهم مرتدون، حكمهم حكم آبائهم في الاستتابة وتحريم الاسترقاق. اهـ [3]

قال ابن نُجَيم رحمه الله: حاصل الأمر أنه إما أن يكون موجودا منفصلا حين الردة أو لا، فإن كان الأول فإنه لا يكون مرتدا بردتهما معا، لأنه ثبت له حكم الإسلام بالتبعية، فلا يزول بردتهما إلا إذا لحقا به أو أحدهما إلى دار الحرب، فإنه خرج عن الإسلام لأنه كان بالتبعية لهما أو للدار وقد انعدم الكل فيكون الولد فيئا، ويُجبر على الإسلام إذا بلغ كما تجبر الأم عليه، فإن كان الأب ذهب به وحده والأم مسلمة في دار الإسلام لم يكن الولد فيئا لأنه بقي مسلما تبعا للأم. اهـ [4]

قال الماوردي رحمه الله: قال الشافعي: ولا يسبى للمرتدين ذرية وإن لحقوا بدار الحرب لأن حرمة الإسلام قد ثبتت لهم ولا ذنب لهم في تبديل آبائهم [5] ، أما المرتدون إذا كانوا في دار الإسلام ولم يلحقوا بدار الحرب فلا خلاف نعرفه في أنه لا يجوز سبيهم ولا استرقاقهم تغليبا لما تقدم من حرمة إسلامهم، ولا يجوز أن تؤكل ذبائحهم ولا ينكحوا تغليبا لحكم شركهم ولا تقبل جزيتهم ولا يهادنوا ... إلى قوله:

فأما إذا لحق المرتدون بدار الحرب أو انفردوا بدار صارت لهم كدار أهل الحرب، فقد اختلف الصحابة في جواز سبيهم واسترقاقهم، فذهب على بن أبي طالب إلى جواز سبيهم واسترقاقهم كأهل الحرب اعتبارا بحكم الكفر وبه قال شاذ من الفقهاء، وذهب أبو بكر إلى تحريم سبيهم واسترقاقهم تغليبا لحرمه ما تقدم من إسلامهم كما يحرم سبيهم واسترقاقهم في دار الإسلام وبه أخذ الشافعي وأكثر الفقهاء. [6]

ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أن المقصود بأبناء المرتدين والمشركين في الأدلة السابقة وكلام أهل العلم هم من كانوا على دين آبائهم ـ أي حال ردتهم ـ أو متابعين لهم في الظاهر، أما إذا كان للمرتد أبناء ليسوا على دينه بل هم مسلمون لا يوافقونه على أفعاله وأقواله سواء لأنهم لا يعرفون ما يفعل، أو عرف عنهم أنهم ينكرون ما يفعله آباؤهم ولو بقلوبهم فقط فليسوا كفارا بل هم مسلمون معصومون، ولا يخرجهم إلى الكفر عدم الإنكار على آبائهم، فإن إنكار المنكر باليد واللسان إنما يكون حسب القدرة ولا يتيسر ذلك لكل الناس [7] ، أما

(1) الحديث رواه أيضا أبو دواد والترمذي وأحمد.

(2) فتح الباري ج6/ 146، راجع نيل الأوطار ج7/ 236ـ237، ط: دار زمزم.

(3) المغني، ج 8/ 137، ط: عالم الكتب.

(4) البحر الرائق لابن نجيم، ج 5/ 148.

(5) قال الشافعي: ولا يسبى للمرتدين ذرية امتنع المرتدون في دارهم أو لم يمتنعوا أو لحقوا في الردة بدار الحرب أو أقاموا بدار الإسلام لأن حرمة الإسلام قد ثبتت للذرية بحكم الإسلام في الدين والحرية ولا ذنب لهم في تبديل آبائهم ويوارثون ويصلى عليهم ومن بلغ منهم الحنث أمر بالإسلام فإن أسلم وإلا قتل (راجع الأم ج1/ 258)

(6) حكم المرتد 95ـ98.

(7) الأصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان أنه واجب على كل مسلم ومسلمة، ولكن هذا الحكم يختلف بحسب حال الشخص من حيث العلم والقدرة على الأمر والنهي، ويسقط وجوب الأمر والنهي إذا لم يستطع المكلف ذلك إلا بنوع ضرر يحدث له وعلى ذلك ورد كثير من الأدلة، هذا بخلاف إنكار المنكر بالقلب فهو واجب لا يسقط بحال، وقد فصلنا كثيرا من المسائل المتعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتابنا المسمى (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آداب وأحكام) وهو كتاب متوسط الحجم نسأل الله تعالى أن يعين على طبعه وإخراجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت