فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 59

من كان على دين آبائه فحكمه حكمهم ولا فرق والله تعالى أعلم.

هذا وأفضل من أسهب في الحديث عن هذا النوع من الجهاد ـ أعني جهاد المرتدين والممتنعين عن إقامة أحكام الشريعة والخارجين على أحكامها ـ هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فإن زمانه الذي عاش فيه هو زمان فتنة التتار الذين عاثوا في بلاد المسلمين فسادا بعد أن تغلبوا على جزء كبير منها، وقد دخل بعضهم في الإسلام فعلا وكان بعضهم يتظاهر بالإسلام، ولكنهم كانوا يتحاكمون فيما بينهم إلى غير شريعة الله تعالى ـ دون أن يجبروا الناس على ذلك ـ ووقعوا في كثير من المظالم.

وكان عسكرهم ـ أي جيشهم ـ مشتمل على قوم كفار من النصارى والمشركين وعلى قوم منتسبين إلى الإسلام وهم جمهور العسكر ينطقون بالشهادتين إذا طلبت منهم ويعظمون الرسول صلى الله عليه وسلم وليس فيهم من يصلى إلا قليل جدا، وصوم رمضان أكثر فيهم من الصلاة، والمسلم عندهم أعظم من غيره وللصالحين من المسلمين عندهم قدر، وعندهم من الإسلام بعضه وهم متفاوتون فيه لكن الذي عليه عامتهم والذي يقاتلون عليه متضمن لترك كثير من شرائع الإسلام أو أكثرها، فإنهم أولا يوجبون الإسلام ولا يقاتلون من تركه، بل من قاتل على دولة المغول عظموه وتركوه وإن كان كافرا عدوا لله ورسوله، وكل من خرج عن دولة المغول أو عليها استحلوا قتاله وإن كان من خيار المسلمين، ولا يجاهدون الكفار ولا يلزمون أهل الكتاب بالجزية والصغار، ولا ينهون أحدا من عسكرهم أن يعبد ما شاء من شمس أو قمر أو غير ذلك، بل الظاهر من سيرتهم أن المسلم عندهم بمنزلة العدل أو الرجل الصالح، والكافر عندهم بمنزلة الفاسق في المسلمين أو بمنزلة تارك التطوع، وكذلك أيضا عامتهم لا يحرمون دماء المسلمين وأموالهم إلا أن ينهاهم عنها سلطانهم، أي لا يلتزمون تركها وإذا نهاهم عنها أو عن غيرها أطاعوه لكونه سلطانا لا بمجرد الدين، وعامتهم لا يلتزمون أداء الواجبات لا من الصلاة ولا من الزكاة ولا من الحج ولا غير ذلك، ولا يلتزمون الحكم بينهم بحكم الله بل يحكمون بأوضاع لهم توافق الإسلام تارة وتخالفه أخرى، فاستفتاه الناس فيهم فأفتى رحمه الله فيهم وفي أمثالهم بما يشفي العليل ويروي الغليل، ونحن ننقل هنا مختصرا جامعا لفتاواه لأوجه المشابهة الظاهرة لمن تدبرها بين أحوال هؤلاء القوم وما أفتى فيه رحمه الله وبين أحوال حكامنا ووزرائهم وعامة جنودهم، وكذلك لأنه رحمه الله قد نقل إجماع العلماء على ما ذكر فأغنانا عن استيعاب أقوالهم على التفصيل.

وقد سُئِل ابن تيمية رحمه الله: ما تقول الفقهاء أئمة الدين في هؤلاء التتار الذين قدموا سنة تسع وتسعين وستمائة ـ 699ـ وفعلوا ما اشتهر من قتل المسلمين وسبى بعض الذراري والنهب لمن وجدوه من المسلمين، وهتكوا حرمات الدين من إذلال المسلمين وإهانة المساجد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت