فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 59

حكم مال المرتد

سبق أن ذكرنا حكم قتل المرتد وأن ذلك جائز لآحاد المسلمين وخاصة في البلاد التي لا تُقام فيها الحدود الشرعية، وأن من قتل المرتد في غير دار الإسلام فإنه يجوز له أخذ ماله لأنه صار حربيا حكمه حكم أهل الحرب من حيث حل الدم والمال.

ولا يخلو الأمر أن يكون المرتد حيا أو ميتا، وأن يكون في دار الإسلام أو في غيرها، فإن كان حيا في دار الإسلام فإنه يستحب استتابته كما بينا سابقا، فإن تاب وإلا قتل على الردة ويكون ماله فيئا لبيت المال على الراجح، فإن قتله آحاد المسلمين دون تفويض من أولي الأمر فقد بينا أن ماله لمن قتله غنيمة تقسم على الوجه الشرعي، وأما إذا لحق بدار الكفر وصار من أهل الحرب فماله المقدور عليه فيئ لبيت مال المسلمين، لا يقسم بين ورثته لأنه حي لا يورث، ولا يصح لورثته أخذ شيء من ماله للمنع من ذلك بالنص، وهذا القول هو قول ابن عباس وزيد بن ثابت والنخعي والشعبي والحكم بن عتيبة وربيعة وابن أبي ليلى وهو قول فقهاء الحجاز ومالك والشافعي والمشهور من مذهب أحمد وهو قول أبي ثور وابن المنذر أيضا.

ومن الأصول الذي يبنى عليها الكلام في حكم مال المرتد هو حديث البراء بن عازب الذي قال فيه: لقيني عمي وقد اعتقد راية فقلت: أين تريد؟ قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل نكح امرأة أبيه أن أضرب عنقه وآخذ ماله) ، وللحديث رواية أخرى عن معاوية بن قرة عن أبيه (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أباه جد معاوية إلى رجل عرس بامرأة أبيه فأمره فضرب عنقه وخمس ماله) [1] ، قال البيهقي رحمه الله: قال أصحابنا: ضرب الرقبة وتخميس المال لا يكون إلا على المرتد فكأنه استحله مع علمه بتحريمه والله أعلم، فهذا الحديث صريح في أنه وكما يحل دم المرتد فإن ماله يحل تبعا لدمه، هذا في آحاد المرتدين.

ويؤيد هذا أيضا ما ورد من إجماع الصحابة رضي الله عنهم على غنيمة مال المرتدين وأنها لا ترد لهم بعد حيازتها، فعن طارق بن شهاب أنه قال في قصة وفد بزاخة ـ وهم من الطوائف التي ارتدت عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ـ قال: جاء وفد بُزاخة من أسد وغطفان إلى أبي بكر رضي الله عنه يسألونه الصلح، فخيرهم بين الحرب المُجلِية أو السلم المُخزِية، فقالوا: يا خليفة رسول الله: هذه المجلية قد عرفناها فما المخزية؟ قال رضي الله عنه: تُنزع منكم الحلقة والكراع، ونغنم ما أصبنا منكم، وتردون علينا ما أصبتم منا، وتَدُون قتلانا ولا نَدِي قتلاكم، وتكون قتلاكم في النار، وتُتركون أقواما تتبعون أذناب الإبل حتى يُري الله خليفة رسوله والمهاجرين أمرا يعذرونكم به، فعرض أبو بكر رضي الله عنه ما قاله على القوم، فقام عمر رضي الله عنه فقال: قد رأيتَ رأيا وسنشير عليك: أما ما ذكرت من الحرب المجلية والسلم المخزية فنِعمَ ما ذكرتَ، وأما ما ذكرت تدون قتلانا وتكون قتلاكم في النار فإن قتلانا قاتلت فقتلت على أمر الله أجورها على الله ليس لها ديات، قال: فتتابع القوم على ما قال عمر [2] ، والحديث أصله في البخاري [3] .

وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله رواية البرقاني في الفتح ثم قال: قال الحميدي: اختصره البخاري فذكر طرفا منه وهو قوله لهم (تتبعون أذناب الإبل ـ إلى قوله ـ يعذرونكم به) وأخرجه بطوله البرقاني بنفس الإسناد الذي أخرج البخاري ذلك القدر منه.

فهذا الحديث دليل صريح على إجماع الصحابة رضي الله عنهم أن مال المرتدين إذا حازة جيش المسلمين فهو غنيمة ولا يقسم بين أهل المرتد، سواء كان المرتد حيا أو قتل على الردة وهذا هو الراجح الذي يدل عليه الدليل، فإن الصحابة قد اتفقوا على استحلال غنيمة هؤلاء القوم المرتدين ولم يكونوا جميعهم قد قتلوا ولم يبحث الصحابة عن ورثتهم وهل بينهم مسلمون أم لا، وهذا دليل قوي لا مدفع له، فدل ذلك صراحة على صحة ما ذكرنا والحمد لله رب العالمين.

ومما يؤيد عدم توريث المسلم من مال الكافر عموما ـ والمرتد من جملة الكفار ـ ما ورد عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر) [4] ، وقوله صلى الله عليه وسلم (لا يتوارث أهل ملتين) [5] ، وقد روي في بعض الروايات بلفظ (لا يتوارث أهل ملتين، لا يرث المسلم الكافر) ، وهذه الرواية ضعيفة فإن صحت فقد جعل الثاني بيانا

(1) حديث البراء بن عازب رواه أبو داود والنسائي والبيهقي في السنن الكبرى وابن الجارود في المنتقي والدارمي والطحاوي في شرح معاني الاثار والطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية، ورواه أيضا الحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وحديث معاوية بن قرة رواه البيهقي في السنن الكبرى والطحاوي في شرح معاني الآثار والدارقطني في السنن وسعيد بن منصور في سننه، ويشبه أن يكون التخميس للمال هنا لأنه أخذ بقهر وقوة ومنعة فصار غنيمة تخمس، وأما إذا أخذ بغير سلاح ولا حرب كأن يترك المرتد مالا ويموت أو يقتل على الردة حدا من قبل أولي الأمر فيكون فيئا والله تعالى أعلم.

(2) رواه بهذا النص البيهقي وابن أبي شيبة وأحمد في فضائل الصحابة والخلال في السنة وقال: حديث صحيح، ورواه مختصرا البخاري وغيره ورواه بطوله البرقاني بنفس سند البخاري.

(3) صحيح البخاري كتاب الأحكام باب الاستخلاف الحديث رقم: 7221.

(4) رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وأحمد وابن ماجة وابن حبان والحاكم ومالك والبيهقي وأبو عوانة والدارمي وابن أبي شيبة.

(5) رواه أحمد والنسائي وأبو داود وابن ماجة والدارقطني وابن السكن بسند حسن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وابن عمر وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت