يجب عليه العمل بما شرعه الله لعباده وحمل الناس عليه وتنجيز ما أمر الله به، ومن أعظم ما شرعه لهم وعليهم إقامة الحدود، فكيف يقال إن لهذا العبد المنعم عليه أن يبطل ما أمر الله به ويهمل ما شرع الله لعباده وأمرهم بأن يفعلوه وورد عن نبيه الوعيد الشديد على من تسبب لإسقاط الحد بشفاعة أو نحوها، فالحاصل أن الإمام والسلطان لهم الأسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان يقيم الحدود على من وجبت عليه، ولم يسمع عنه أنه أهمل حدا بعد وجوبه ورفعه إليه، وليس الاستثبات بإسقاط ولا من أسبابه، وهكذا ليس درء الحد بالشبهة من ذلك، ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم (ألا تركتموه) في قصة ما عز فإنه مبني على أن الحد يدرأ بالشبهة، وأما ما عزا لما قال: إن قومه غروه وخدعوه كان ذلك شبهة له، وبهذا تعرف أنه ليس للإمام إسقاط ما أوجبه الله إلا ببرهان من الله لا من جهة نفسه، فإنه لم يفوض إليه ذلك ولا من عهدته ولا مما له مدخل فيه، فإن فعل فهو معاند لله ولرسوله مضاد له خارج عن طاعته تارك للقيام بما أمره به، وهكذا ليس له تأخير ما قد وجب ولا التثبيط عما قد ثبت فإنه عبد مكلف مأمور منهي ليس بمعصوم. [1]
ولقد أفصح جمع من العلماء عما قررناه هنا من أنه يجوز لآحاد الناس قتل المرتد لأن دمه أصبح هدرا بردته وإنما قضوا بأن عليه التعزير إن كان في زمن إمام مسلم عدل يقيم حدود الله وشرائعه إن رأى الإمام ذلك لأنه افتأت عليه وليس عليه قود ولا دية ولا كفارة وذلك لأنه أهدر دم المرتد وهو دم غير محترم، وهذا طرف من أقوال الفقهاء في ذلك:
قال الشافعي رحمه الله في حكم من قتل المرتد: وإذا ارتد الرجل عن الإسلام فجنى عليه رجل جناية، فإن كانت قتلا فلا عقل ولا قود ويعزر لأن الحاكم الوالي للحكم عليه، وليس للحاكم قتله ـ أي المرتد ـ حتى يستتاب، وإن كانت دون النفس فكذلك. اهـ [2]
وقال الشيرازي رحمه الله: وإن ارتد ثم أقام على الردة، فإن كان حرا كان قتله إلى الإمام، لأن قتله يجب لحق الله تعالى، فكان إلى الإمام كرجم الزاني، فإن قتله غيره بغير إذنه عزر لأنه افتيات على الإمام. اهـ [3]
وقال ابن قدامة رحمه الله: وقتل المرتد إلى الإمام حرا كان أو عبدا، وهذا قول عامة أهل العلم، إلا الشافعي في أحد الوجهين في العبد، فإن لسيده قتله، لقول النبيصلى الله عليه
(1) راجع: السيل الجرار المتدفق إلى حدائق الأزهار للشوكاني ج4/ 310ـ 311.
(2) الأم ج6/ 163
(3) المجموع شرح المهذب ج21/ 72ـ73.