يقم إلا بعدد ومن غير سلطان أقيمت، إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها. اهـ [1]
وقد أفصح الجويني رحمه الله عما يجب على المسلمين فعله إذا خلا الزمان عمن يقوم بالأحكام الشرعية من ولاة الأمور وكأنه يتحدث عن زماننا فقال: وإذا لم يصادف الناس قواما بأمورهم يلوذون به فيستحيل أن يؤمروا بالقعود عما يقدرون عليه من دفع الفساد فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن عم الفساد البلاد والعباد ... إلى أن قال رحمه الله:
وقد قال بعض العلماء لو خلا الزمان عن السلطان فحق على قطان كل بلدة وسكان كل قرية أن يقدموا من ذوي الأحلام والنهى وذوي العقول والحجا من يلتزمون امتثال إشاراته وأوامره، وينتهون عند مناهيه ومزاجره، فإنهم لو لم يفعلوا ذلك ترددوا عند إلمام المهمات وتبلدوا عند إظلال الواقعات ... إلى قوله:
فإذا شغر الزمان عن الإمام وخلا عن سلطان ذي نجدة وكفاية ودراية، فالأمور موكولة إلى العلماء وحق على الخلائق على اختلاف طبقاتهم أن يرجعوا إلى علمائهم ويصدروا في جميع قضايا الولايات عن رأيهم ... إلى آخر قوله رحمه الله. اهـ [2]
وقد قال الشوكاني رحمه الله في كلام صريح واضح لا يحتمل التأويل: وأما كونه يجب إقامة الحدود على الإمام وواليه فوجهه واضح ظاهر، لأن الله سبحانه قد أمر عباده بإقامة الحدود وقال (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) وقال (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وقال (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ... ) الآية، والتكليف في هذا وإن كان متوجها إلى جميع المسلمين ولكن الأئمة من يلي من جهتهم ومن له قدرة على تنفيذ حدود الله مع عدم وجود الإمام يدخلون في هذا التكليف دخولا أوليا ويتوجه إليهم الخطاب توجها كاملا، ومما يدل على تأكد الوجوب ما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي أن تقطع يدها، فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلموه، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم فيها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (يا أسامة لا أراك تشفع في حد من حدود الله عز وجل) ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال (إنما أهلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها) فقطع يد المخزومية، ومن هذا حديث (من حالت شفاعته
(1) مجموع الفتاوى ج34/ 175ـ176.
(2) الغياثي للإمام الجويني/285 وما بعدها.