كذا قال ,"وكان أبو بكر قد رآها", فجعل الكلام على أن أبا بكر كان قد رأى البراق.
وأما رواية مسدد , ففيها"كأنّ أبا بكر قد رآها".. وهذا لفظ مختلف تماما , ومعنى هذه الرواية: أن أبا بكر صدّق رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكأنه رأى البراق , لا أنه رآه , ولكن من شدة ايمانه بما يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم , جعل يصدٌقه في كلامه , وكأنه رجل , يختبر آخر في شيء يعلمه هذا الأول جيدا , وهذا من قوة إيمان أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
ورواية مسدد هذه هي الأصحّ و لا شك من وجوه:
الأول: أن مسدد أحفظ و أثبت من ابراهيم بن عرعرة.
الثاني: ومن الدليل على ذلك , كما في هذه الرواية , أن مسدد جعل الحديث من مسند بعض أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم لا من مسند أنس وهذا دليل أنه حفظ لأنه لم يسلك الجادّة.
الثالث: أنه لم يثبت أن صحابيا قد رأى البراق أصلا , ولو حدث مثل ذلك لاشتهر و لا شك بين الصحابة , أو على الأقل لحكاه أبو بكر رضي الله تعالى عنه.
الرابع: أن رواية مسدد , إنما هي تثبت إيمان أبو بكر الذي يرى كلام النبي صلى الله عليه وسلم , رأي العين و القلب , وهذا مشهور عنه , وكذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه , كما في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم [1] من حديث أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بَيْنَمَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً فَطَلَبَهُ الرَّاعِي فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ فَقَالَ مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي وَبَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَكَلَّمَتْهُ فَقَالَتْ إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا وَلَكِنِّي خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ قَالَ النَّاسُ سُبْحَانَ اللَّهِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنِّي أُومِنُ بِذَلِكَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
وفي رواية"وما هما ثمّ",
وفي رواية [2] "فقال الناس آمنّا بما آمن به رسول الله صلى الله عليه وسلم". [3]
فهنا أيضا , خصّ النبي صلى الله عليه وسلم أبي بكر و عمر بالإيمان بكلام الذئب و البقرة , وهذه خصوصية إيمانية , ومرتبة من مراتب الإيمان , جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه, من دون الصحابة ابتداءا , ثم قال الصحابة في آخر الحديث كما عند ابن حبّان"آمنّا بما آمن به رسول الله"
(1) صحيح البخاري , حديث 3663 , صحيح مسلم , حديث 2388
(2) كذا عزاه في الفتح 7/ 30 , لابنحبان من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة , ولم أقف على هذه اللفظة الآن.
(3) أنظر لتخريج الحديث و الكلام عليه فتح الباري 7/ 27 , صحيح بن حبان (الاحسان) 14/ 407 وما بعدها.