الصفحة 64 من 285

اختاره محققوهم على خلاف في كون الحدوث شرطا أو شطرا في العلية، وإليه يشير الخلق الذي لا يتصور إلا فيما أمكن.

وتقرير الدليل عليه أنه يعلم دلالة السموات والأرض وغيرهما من الموجودات على أن في الوجود واجبا، وإلا لزم انحصار الموجود في الممكن، فيلزم ألا يوجد شيء؛ لأن ممكن لا يستقل بالوجود في نفيه وهو ظاهر، ولا في إيجاده لغيره؛ لأن الإيجاد بعد الوجود، وإذ لا وجود لا إيجاد، فلا موجود بذاته ولا بغيره، فثبت وجود الواجب تعالى.

وهذان الوجهان فيهما غنية عن إبطال الدور والتسلسل، وأصل الدليل مأخوذ من قوله تعالى: (( أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ) ) [الأعراف:185] ، وقوله: (( سَنُريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) ) [فصلت:53] ، وقوله: (( أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر و جاءكم النذير ) ) [فلطر:37] ، حيث دلّت على توبيخ الكفار بترك النظر والاستدلال على وجود الصانع المتعال واتصافه بصفات الكمال بعد تعميرهم مدة يتمكنون فيها بعقولهم من الاستدلال، وقد أشير إلى الاستدلال في ثمانين آية كما في شرح المقاصد، وظاهر الكل الاستدلال بحدوث الموجودات؛ لكفايته في مقام التصديق وظهوره وهو مراد المتكلمين، فإن مرادهم عليه الحدوث على طريق الدليل الأني [1] : أي الكوه علة للتصديق باحتياج الحادث قبل حدوثه كما في المواقف، ولا يدفعه كون المقام مقام بيان العلة على طريق الدليل اللمي: أي العلية في نفس الأمر، وأن اتصلف الحادث بالحدوث في نفس الأمر متأخر بالذات عن اتصافه بالوجود فيها، واتصافه بالوجود متأخر ك 1 لك عن احتياجه، فلا يكن اتصافه بالحدوث علة اتصافه بالحاجة.

وفيه إشارات إلى مسائل:

الأولى: وجوب النظر في معرفة الصانع تعالى، وإليه أشار بقوله: (ولا عذر لأحد في الجهل بخالقه لما يرى من خلق) إلى آخره، وحيث كان سائر الواجبات متوقفة عليه عنده ثبت أن أول مطلق الواجبات هو النظر والاستدلال بالمصنوعات على وجود الصانع تعالى، واختاره الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني [2] .

فأول الواجبات على المكلف: النظر والاستدلال المؤدي إلى المعرفة بالله وبصفاته، وتوحيده وعدله وحكمته، ثم النظر والاستدلال المؤدي إلى جواز إرسال وتكليف@

(1) مأخوذ من الإن، وهو التصديق.

(2) انظر: الموافق (1/ 147) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت