الصفحة 62 من 285

الثالث: أن العباد مجبورون في أفعالهم لوجوبها عند تمام المرجح، وليس ذلك اختيار العبد، وإلا لزم أن يكون للاختيار اختيار فيدرون أو يتسلسل، فلا يتصف بالحسن والقبح العقليين، ولا يثبت الوجوب والحرمة عقلا المتوقفان على ثبوتهما.

وأجيب: بأنه معارض بنفيه الشرعيين أيضا؛ لكونهما من صفات الأفعال الاختيارية، ومنتقض باختياره تعالى، وسيأتي حله في فصل الاستطاعة من الباب الثالث إن شاء الله تعالى [1] .

الرابع: أن الحسن والقبح لو كانا عقليين لكانا لذات الفعل أو جزئه، أو لصفة لازمة لذاته أو جزئه ولم يتبدلا؛ لأن ما كان كذلك لا يتخلف ولا يختلف، والتالي باطل لحسن كذب فيه إنقاذ لمظلوم، وقبح صدق فيه إمداد لظالم، ولاستلزام عدم النسخ.

وأجيب: بأن الحسن والقبح لذاته فيما يختلف باختلاف الإضافات، وهو المجموع المركب من الفعل والإضافة، والفعل جنس، والإضافات المختلفة فصول مقوِّمة لأنواعه؛ لأن الفعل من الأعراض النسبية وهي تتقوم بالنسب، والإضافات المختلفة فصول مقومة لها، والحسن والقبح يثبتان بحسب الأنواع لا الجنس نفسه، فقولنا: شكر المنعم حسن لذاته، معناه: أن الشكر المضاف على المنعم حسن لا أن ذات الشكر ممن غير إضافة حسن كما في التوضيح.

الخامس: أنهما لو كانا ذاتيين لزم اجتماع المتنافيين بالذات في قول من قال: (( هذا الذي أتكلم به الآن ليس بصادق ) )، فإنه إن صدق فيه فقد كذب وبالعكس، وكذا في قول من قال: (( ما أتكلم به غدا ليس بصادق ) )، فإنه إن صدق فيه فقد كذب وبالعكس، وكذا في قول من قال: (( ما أتكلم به غدا ليس بصادق ) )، ثم اقتصر فيه على قوله: ما تكلمت به أمس ليس بصادق، فإن صدق كل من الغديّ والأمسيّ يستلزم عدمه وبالعكس، وقد تحير في حله العقول، وسماه صاحب المقاصد بالجذر الأصم.

وأجيب: بأنه إن أريد الإلزام، فلا يتم على الماتريدية؛ إذ لا يلزم من عدم كونهما ذاتيين في البعض عدمه مطلقا، وإن أريد التحقيق فليس التقريب بتام، وبالحل بأن الخبر إشارة إلى المخبر عنه، والإشارة إلى الشيء لا يمكن أن تكون إلى نفس تلك الإشارة، فلا يدخل نفس الخبر في الحكم الذي يتضمنه ذلك الخبر ولا يتناوله الحكم كما لو استثناه كما ذكر العلامة الشريف، وهو أمتن ما قيل في حله مما يبلغ عشرين وجها، يعني كما أن@

(1) انظر: الشرح الميسر (1/ 103) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت