واللَّهَ أرْجُو بفضْلِه وكَرَمِه، واسمُ الْجَلالةِ منصوبٌ على التعظيمِ، وتقديمُ الاسمِ الكريمِ للاختصاصِ، أيْ: لا أَرْجُو سِوَاهُ. (النفْعَ للمشتَغِلِ) بها، وأَرْجُو (أنْ يُخْلِصَ لي في العمَلِ) ، سألَ اللَّهَ الكريمَ لمَن اشْتَغَلَ بهذه المنظومةِ النفْعَ العامَّ من العلْمِ والخيرِ؛ ليَعودَ إليه نفْعُه، وتَرغيبًا للطَّلَبَةِ في الاستفادةِ منها، وأنْ يَجعَلَ عمَلَه خالصًا لوجهِه الكريمِ؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى لا يَقبلُ إلَّا ما كانَ خالِصًا صوابًا. نَسألُ اللَّهَ لنا ولهُ تحقيقَ ذلكَ بِمَنِّه ورَحْمَتِه.
مقَدِّمَةٌ
يَذكُرُ فيها بَيانَ ما يُقَدَّمُ من الحقوقِ على الْمِيراثِ
15 -يُبْدَؤُ أوَّلًا بما تَعَلَّقَا بعيْنِ تَرِكَةٍ كرَهْنِ وُثِقَا
يُبْدَؤُ من التَّرِكَةِ"أوَّلًا بما تَعَلَّقَا * بعينِ تَرِكَةٍ"، وهيَ ما يُخَلِّفُه الميِّتُ منْ مالٍ أوْ دِيَةٍ لدخولِها في مِلْكِهِ تقديرًا، أوْ حَقٍّ كخِيارٍ وشُفعةٍ وقِصاصٍ وحَدِّ قَذْفٍ واختصاصٍ كالسِّرجينِ النَّجِسِ والخمْرِ المحتَرَمَةِ (1) . وأكثَرُ ما يَتعلَّقُ بتَرِكَةِ الميِّتِ خمسةُ أنواعٍ مُرَتَّبَةٍ للاستقراءِ منْ مَواردِ الشريعةِ: فالأوَّلُ، الحقوقُ المتعلِّقةُ بعَينِ التَّرِكَةِ، فتُقَدَّمُ على مُؤَنِ التجهيزِ عندَ الإمامِ الشافعيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى، وهيَ صُوَرٌ كثيرةٌ؛ فلِذَا أَشارَ إليها بكافِ التشبيهِ فقالَ: (كرَهْنِ وُثِقَا) .
16 -بهِ وَجانٍ وزَكاةٍ تُلْقَى ثمَّ بتجهيزٍ يَليقُ عُرْفَا
بأنَّ رَهَنَ عينًا بدَيْنٍ، وكعبدٍ جَانٍ كما إذا قَتَلَ نفسًا أوْ قَطَعَ طُرُقًا خَطَأً أوْ شِبْهَ عمْدٍ، أوْ عَمْدًا لا قِصاصَ فيهِ، أوْ فيهِ قِصاصٌ لكنْ عَفَا مستَحِقُّ القِصاصِ على مالٍ، أوْ أتْلَفَ مالَ إنسانٍ بغيرِ تَسليطٍ؛ فإنَّهُ يُقَدَّمُ حقُّ الْمَجْنِيِّ عليهِ في جميعِ هذه الصوَرِ على مُؤَنِ التجهيزِ وغيرِها من الديونِ المرْسَلَةِ في الذمَّةِ والوصايا. فلو اجْتَمَعَ رَهْنٌ وجنايةٌ قُدِّمَ المجْنِيُّ عليهِ على الْمُرْتَهِنِ؛ لانحصارِ حقِّه في عينِ الجاني. (وكزكاةٍ تُلْقَى) ، أيْ: تُوجَدُ، كما لوْ مَلَكَ نِصابًا وحالَ عليهِ الحَوْلُ ثمَّ أَتْلَفَهُ ولم يَبْقَ إلَّا قَدْرُ الواجبِ الذي يَستحِقُّه أهلُ الزكاةِ ولا مالَ لهُ غيرُه، فيُقَدَّمُ أهلُ الزكاةِ على مُؤَنِ التجهيزِ. وعندَ إمامِنا أحمدَ رَحِمَه اللَّهُ تعالى مُؤَنُ التجهيزِ مُقَدَّمَةٌ على جميعِ الحقوقِ المتعلِّقةِ بعينِ التَّرِكَةِ. (ثمَّ بتجهيزٍ يَليقُ عُرْفَا) لا بإسرافٍ ولا تَقتيرٍ على حَسَبِ يسارِ الميِّتِ وإعسارِه.
17 -ولِجَهازِ الزوجةِ الزوجُ يَلِي إنْ مُوسِرًا ثمَّ بدَيْنٍ مرْسَلِ