ثمَّ الصلاةُ والسلامُ أبَدَا ... على الرسولِ العربيِّ أحمدَا
(ثمَّ) بعدَ ما تَقَدَّمَ منْ حَمْدِ اللَّهِ والثناءِ عليهِ (الصلاةُ) ، وهيَ من اللَّهِ تعالى رحمةٌ مقرونةٌ بتعظيمٍ، ومن الملائكةِ ومنْ غيرِهم تَضَرُّعٌ ودُعاءٌ. (والسلامُ) هوَ التحيَّةُ وإعطاءُ السلامةِ، أي التَّعَرِّي من الآفاتِ. (أبدًا) ، أيْ دائمًا، والأبَدُ ما لا نهايةَ لهُ. (على الرسولِ) إلى الْمُكَلَّفِينَ كافَّةً، والرسولُ إنسانٌ أُوحِيَ إليه بشرْعٍ وأُمِرَ بتبليغِه، أَخَصُّ من النبيِّ. (القرشيِّ) نِسبةً إلى قريشٍ، واسمُه فِهْرُ بنُ مالكٍ. (أحمدَ) أشْهَرُ أسماءِ نبيِّنا محمَّدٍ، وأحمدُ قيلَ: مُبالَغةٌ من الفاعلِ، وقيلَ: مُبالَغةٌ من المفعولِ.
وآلِه وصحْبِه الأعيانِ ... وتَابِعِيِّهِمُو على الإحسانِ
و (آلِهِ) ، هم أتباعُه على دينِه، وقيلَ: مُؤمِنُو بني هاشمٍ والْمُطَّلِبِ. و (صَحبِه) ، وهوَ مَنْ لَقِيَ النبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ مؤمنًا بهِ ولوْ لَحظةً، وماتَ على ذلكَ. و (الأعيانِ) ، أي: الأشرافِ الأخيارِ. و (تابِعِيِّهِمُ) ، أيْ: تابِعِيِّ الصَّحْبِ. (على الإحسانِ) ، في الاعتقادِ والأقوالِ والأفعالِ.
وبعدُ فالعِلْمُ بذي الفرائضِ ... من أفْضَلِ العلْمِ بلا مُعارِضِ
(وبعدُ) ، أيْ: بعدَ البَسملَةِ والحمْدِ لهُ والصلاةِ والسلامِ على النبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ وما عُطِفَ عليها، (فالعلْمُ بذي الفرائضِ) ، وهوَ العلْمُ بفِقْهِ المواريثِ وعِلْمِ الحسابِ الموَصِّلِ لِمَعرفةِ ما يَخُصُّ كلَّ ذي حَقٍّ من التَّرِكَةِ. و (الفرائضِ) جمْعُ فريضةٍ بمعنى مفروضةٍ، أيْ مُقَدَّرَةٍ، لما فيها من السهامِ الْمُقَدَّرَةِ، فغَلَبَتْ على التَّعْصِيبِ، وجُعِلَتْ لقبًا لهذا العلْمِ. (من أفْضَلِ العلْمِ بلا مُعارِضِ) ، أيْ: منْ غيرِ مُمَانِعٍ ولا مدافِعٍ؛ لما وَرَدَ فيهِ من القرآنِ العظيمِ وتَنصيصِ الشارِعِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ بالْخُصوصِ عليهِ، ولعمومِ الحاجَةِ الداعيةِ إليه؛ إذْ لا يَنْفَكُّ الزمانُ عن الاحتياجِ إليه.
إذْ هوَ نصْفُ العلْمِ فيما وَرَدَا ... في خَبَرٍ عن النبيِّ مُسْنَدَا
رواهُ أبو هريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ عن النبيِّ مسنَدًا، أنَّهُ قالَ:"تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا؛ فَإِنَّها نِصْفُ الْعِلْمِ، وَهُوَ يُنْسَى، وَهُوَ أَوَّلُ عِلْمٍ يُنْتَزَعُ مِنْ أُمَّتِي".
وأنَّهُ أَوَّلُ ما سيُرْفَعُ ... من العلومِ في الوَرَى ويُنْزَعُ
(الوَرَى) بالقَصْرِ، أي: الخلْقُ. (ويُنزَعُ) كما تَقدَّمَ في حديثِ أبي هريرةَ.
وفيهِ للصحابةِ الأعلامِ ... مذاهبُ مشهورةُ الأحكامِ