الصفحة 8 من 26

وكأنه خطر له في النوم سورة الكوثر المنزلة في اليقظة، أو عرض عليه، الكوثر الذي وردت فيه، أو تكون الإغفاءة ليست إغفاءة نوم، بل الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي، وتسمى برحاء الوحي، قلت: الذي قاله الرافعي في غاية الاتجاه، والجواب الأخير هو الصواب. والله أعلم.

النوع العاشر: أسباب النزول

ذكر في الإتقان فوائد لهذا النوع، منها معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم، ومنها أن اللفظ قد يكون عامًا ويقوم الدليل على تخصيصه، فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته، فإن دخول صورة السبب قطعي وإخراجها بالاجتهاد ممنوع، ومنها الوقف على المعنى وإزالة الإشكال، قال الواحدي: لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها، وقال ابن دقيق العيد: بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن، قال الناظم (وصنف الأئمة) جمع إمام (الأسفارا) جمع سفر وهو الكتاب (فيه) أي في سبب النزول، أشهرها للواحدي (فيمم) بصيغة الأمر: اقصد (نحوها) أي جهة الأسفار (استفسارًا) أي حال كونك مستفسرًا، (ما) أي وسبب النزول الذي (فيه يروى عن صحابي) بسند متصل فحكمه (رفع) أي حكمه حكم الحديث المرفوع، لا الموقوف، إذ قول الصحابي فيما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه مرفوع (و) السبب الذي روي عنهم (إن) روي (بغير سند) أي متصل (فـ) حكمه (منقطع) لا يلتفت إليه (أو تابعي) بتسكين ياء النسبة للوزن، وهو معطوف على صحابي، أي والسبب الذي روي بسند متصل عن تابعي (فـ) حكمه أنه (مرسل) لأنه ما سقط فيه الصحابي، فإن كان بلا سند فمردود، قال في شرح النقاية: كذا قال البلقيني فتبعناه، ولا أدري لم فرق بين الذي عن الصحابي والذي عن التابعي، فقال في الأول منقطع، وفي الثاني رد، مع أن الحكم فيهما الانقطاع والرد؟ (وصحت) بكسر التاء للروي (أشيا) بالقصر للوزن، وذلك (كما) ثبت (لإفكهم) أي المنافقين (من قصة) بيان لما، وهي مشهورة في الصحيحين وغيرهما (والسعي) : بالجر عطفًا على إفكهم، أي وكما ثبت للسعي من القصة والسبب، ففي الصحيحين عن عائشة: كان الأنصار قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله ... } إلى قوله: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} وفي البخاري عن عاصم بن سليمان، قال: سألت أنسًا عن الصفا والمروة؟ قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} (والحجاب) بالجر أيضًا لما مر، أي كما ثبت لآيات الحجاب من السبب كما قال الناظم (من آيات) وهو بيان للحجاب (خلف المقام) متعلق بالصلاة (الأمر) بالجر أيضًا لما مر (بالصلاة) متعلق بالأمر، أي وكما ثبت للأمر بالصلاة خلف المقام من السبب، وذلك كما في البخاري عن أنس قال، قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: قلت يا رسول الله، لو اتخذنا مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} ، وقلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن، فنزلت كذلك، اهـ. والله أعلم.

النوع الحادي عشر: أول ما نزل

(اقرأ) خبر مقدم (على الأصح فالمدثر) أي بعده (أوله) أي أول ما نزل، وهو بالرفع مبتدأ مؤخر، وذلك لما في الصحيحين وغيرهما من حديث بدء الوحي، (والعكس) وهو أن المدثر أنزل أولًا، ثم اقرأ (قوم يكثر) أي قوم كثير على القول به، وذلك لما في الصحيحين عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: سألت جابر بن عبد الله: أي القرآن أنزل قبل؟ قال: {يا أيها المدثر} . قلت: أو {اقرأ باسم ربك} ؟ قال: أحدثكم بما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إني جاورت بحراء فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت أمامي وخلفي، وعن يميني وعن شمالي، ثم نظرت إلى السماء، فإذا هو(يعني جبريل) فأخذتني رجفة، فأتيت خديجة، فأمرتهم فدثروني، فأنزل الله تعالى: {يا أيها المدثر * قم فأنذر} ))وأجاب الأول عنه بحديث الصحيحين أيضًا، عن أبي سلمة عن جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي، فقال في حديثه: (( فبينما أنا أمشي إذا سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي أتاني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فدثروني. فأنز الله تعالى: {يا أيها المدثر} ) ). فقوله صلى الله عليه وسلم (( فإذا الملك الذي جاءني بحراء ) )، دال على أن هذه القصة متأخرة عن قصة حراء التي فيها اقرأ باسم ربك. قال البلقيني، كما في شرح النقاية: ويجمع بين الحديثين بأن السؤال أي في الحديث الأول كان عن بقية اقرأ والمدثر، فأجاب عنه بما تقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت