أسما الذين خلفوا مع الرسول = في مكة نظمها بعض الفحول
مرارة كعب هلال واسما = آبائهم في عكة خذ بالقبول
(فهذه) المذكورات (بعض لليلي على أن الكثير) من الآيات نزل بالنهار، فقوله (بالنهار) يتعلق بقوله (نزلا) بألف الإطلاق. والله أعلم.
النوع السابع والثامن: الصيفي والشتائي
الصيفي: ما نزل في الصيف، والشتائي: ما نزل بالشتاء، وسكتوا عن الفصلين الباقيين وهما الربيع والخريف إلا أن يراد بالصيف ما يشمل الربيع، لكونهما شماليين، والشتاء ما يشمل الخريف، لكونهما جنوبيين، (صيفية) أي القرآن، وهو بالرفع مبتدأ (كآية الكلالة) وهي قوله تعالى: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ... } إلى آخر سورة النساء، ففي صحيح مسلم عن عمر رضي الله عنه: ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها، حتى طعن بأصبعه على صدري، وقال: (( يا عمر، ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء ) ). (والشتائي كالعشر) من الآيات التي في سورة النور (في) براءة (عائشة) الصديقية، المبرأة من رب البرية - رضي الله عنها - وأولهن {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} ، لما في صحيح البخاري من حديثها - رضي الله عنها - وفيه قالت: فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، وهو في يوم شات، من ثقل القول الذي ينزل عليه. اهـ. البرحاء بضم الموحدة وفتح المهملة: العرق من شدة ثقل الوحي، والجمان، بالجيم المعجمة المضمومة: اللؤلؤ.
قال في شرح النقاية: وعندي أن في الاستدلال بهذا الحديث نظرًا، لاحتمال أن تكون حكت حاله، وهو أنه في اليوم الشتائي يتحدر منه، لا أنه في هذه القصة بعينها كان في يوم شات، ويغني عن هذا المثال ما ذكره الواحدي: أنزل الله تعالى في الكلالة آيتين: إحداهما: الشتاء، وهي التي في أول النساء، والأخرى في الصيف، وهي التي في آخرها. اهـ، وفيه شيء، إذ هي حاكية حال النبي صلى الله عليه وسلم حين نزل الوحي في شأنها، وذلك في يوم شات، والله أعلم بالحقيقة.
النوع التاسع: الفراشي من الآيات
وهي ما نزلت وهو صلى الله عليه وسلم فوق فراشه سواء كان نائمًا أم لا، ومثل للفراشي بقوله: والفراشي (كآية الثلاثة المقدمه) بفتح الدال المهملة أي المتقدمة، وهي آية الثلاثة الذين خلفوا المتقدمة، فإنها نزلت (في نومه) صلى الله عليه وسلم (في بيت أم سلمه) ، واسمها هند بنت أبي أمية المخزومية، تزوجها صلى الله عليه وسلم بعد موت أبي سلمة، لثمان خلون من جمادي الآخرة، في السنة الرابعة من الهجرة، وتوفيت سنة تسع وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، ودفنت في البقيع، وهي آخر من مات من أزواجه صلى الله عليه وسلم، رضي الله تعالى عنهن. فإن قيل: قد يستشكل ما ذكر مع ما ورد في سنن النسائي، من قوله عليه الصلاة والسلام لأم سلمة: (( لا تؤذيني في عائشة، فإنه لم ينزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن إلا في لحاف عائشة ) )، أجيب كما في الإتقان عن القاضي جلال الدين، بأن ما في سنن النسائي محمول على ما كان قبل القصة التي نزل الوحي فيها في بيت أم سلمة، ثم قال صاحب الإتقان: قلت قد ظفرت بما يؤخذ منه جواب أحسن من هذا، فروى أبو يعلى في مسنده، عن عائشة قالت أعطيت تسعًا ... الحديث، وفيه: وإن كان الوحي لينزل عليه وهو في أهله، فينصرفون عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وعليه فلا إشكال (يلحقه) أي الفراشي، أي يلحق بالفراشي أيضًا (النازل) من الآيات حال كونه (مثل الرؤيا) كسورة الكوثر (لكون رؤيا الأنبياء وحيا) ، فإنه تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، ففي صحيح مسلم، عن أنس رضي الله عنه: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا في المسجد، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه، مبتسمًا، فقلت: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: (( نزلت علي آنفًا سورة ) )، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم {إنا أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر * إن شانئك هو الأبتر} .
فإن قيل: ما الفرق بين هذه الآية وما قبلها، حتى يحتاج إلى إلحاقه به؟ قلت: يمكن أن يفرق بأن ما قبلها عند إرادة النوم، وهذه عند النوم، أو إن ما قبلها بطريق الوحي، وهذه بطريق الرؤيا، هذا ما ظهر والله أعلم، قال في شرح النقاية: قال الرافعي في أماليه: فهم فاهمون من الحديث: أن السورة نزلت في تلك الإغفاءة، وقالوا: من الوحي ما يأتيه في النوم، قال: وهذا صحيح لكن الأشبه أن يقال: إن القرآن كله نزل في اليقظة،