العقد الأول
ما يرجع إلى النزول زمانًا ومكانًا، وهو اثنا عشر نوعا
الأول والثاني: المكي والمدني
(مكية) أي القرآن (ما) أي سورة أو أكثرها (قبل هجرة) متعلق بقوله (نزل) أي وإن نزل بغير مكة. (والمدني) بسكون الياء للوزن (ما) أي سورة أو أكثرها (بعدها) أي بعد الهجرة نزل، أي وإن نزل بغير المدينة، هذا هو الأصح في تعريفهما، وقيل: المكي ما نزل بمكة، ولو بعد الهجرة، والمدني: ما نزل بالمدينة.
فلعل هذا يكون هناك واسطة، فتكون لا مكية ولا مدنية، بأن نزلت في السفر.
(وإن تسل) عن عدد كل منهما، (فـ) أقول لك (المدني) تسع وعشرون سورة، وهي (أولتا القرآن) وهما البقرة وآل عمران، كما في النقاية، لا الفاتحة والبقرة، كما هو ظاهر النظم (مع أخيرتيه) وهما المعوذتان، بكسر الواو المشددة (وكذا) سورة (الحج تبع) في كونها مدنية (مائدة) بالرفع عطفًا على قوله أولتا (مع ما) أي السورة التي (تلت) ها المائدة، وهي سورة النساء، و (أنفال) و (براءة) بالرفع هي وما بعدها إلى المجادلة معطوفات على ما قبلها بحذف العاطف (والرعد والقتال وتالياها) أي القتال، وهما الفتح والحجرات (والحديد) و (النصر) و قيامة) و (زلزلة والقدر) بسكون الدال (والنور والأحزاب والمجادلة وسر) بصيغة الأمر في تعداد السور (إلى التحريم) وذلك سبع سور: الحشر والممتحنة والصف والجمعة والمنافقون والتغابن والطلاق، (وهي) أي التحريم (داخلة) في العدد، فجملة السور المدنية، تسع وعشرون، وإنما نص على دخولها لأن الغالب عدم دخول المغيا مع إلى، بخلافه مع حتى (وما عدا هذا) الذي ذكر من السور وهو خمس وثمانون سورة، إذ سور القرآن كلها مائة وأربع عشرة (هو المكي على) القول (الذي صح به المروي) من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقيل: الرحمن والإنسان والإخلاص والفاتحة من المدني، والأصح كما في شرح النقاية: أنها مكية، وقيل: إن الفاتحة نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة، عملا بالدليلين، وقيل إنها نزلت نصفين: نصفًا بمكة ونصفًا بالمدينة. وقيل: النساء والرعد والحديد والحج والصف والتغابن والقيامة والمعوذتان: مكيات، والأصح: أنها مدنيات، والأدلة على ذلك كله، بعضها في شرح النقاية، وبعضها في التحبير"فائدة": جميع سور القرآن تنقسم إلى أربعة أقسام: قسم فيه الناسخ والمنسوخ، وهو خمس وعشرون سورة، وقسم فيه المنسوخ فقط، وهو أربعون سورة، وقسم فيه الناسخ فقط، وهو ست سور، وقسم لا ناسخ فيه ولا منسوخ، وهو ثلاث وأربعون سورة، أغلبها من الربع الأخير، كما أفاده الصاوي، والله أعلم.
النوع الثالث والرابع: الحضري والسفري من آي القرآن
فالحضري: ما نزل في الحضر، والسفري: ما نزل في السفر، ومثل للسفري بقوله (والسفري) من القرآن (كآية التيمم) التي في (مائدة) أولها: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة .. } الآية، فإنها نزلت بمحل يسمى (بذات جيش) وهو كما في الفتح نقلًا عن ابن التين معتمدًا له وراء ذي الحليفة، والبيداء: هي ذو الحليفة بالقرب من المدينة من طريق مكة (فاعلم) ذلك (أو) هي لتنويع الخلاف (هي) آية التيمم المذكورة نزلت (بالبيداء) هي ذو الحليفة كما مر آنفًا، وعلى كل فإنها نزلت في القفول من غزوة المريسيع، وهم داخلون المدينة، كما ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها، وكانت في شعبان سنة ست أو خمس أو أربع، أقوال ثلاثة، وأما آية التيمم التي في النساء، فإنها نزلت في بعض أسفاره صلى الله عليه وسلم، كما أخرجه ابن مردويه عن الأسلع بن شريك (ثم) سورة (الفتح) نزلت (في كرع الغميم) يقرأ بنقل تنوين كراع إلى الهمزة للوزن، والغميم وزان كريم كما في المصباح: واد بينه وبين المدينة نحو مائة وسبعين ميلًا، وبينه وبين مكة نحو ثلاثين ميلًا، ومن عسفان إليه ثلاثة أميال، وكراعه طرفه، إذ كراع كل شيء طرفه، وقوله (يامن يقتفي) أي يتتبع طريقهم في معرفة السفري"تكملة"وكون سورة الفتح نزلت في كراع الغميم هو ما رواه البخاري عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلًا، فسأله عمر عن شيء، فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر: ثكلتك أمك! نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، كل ذلك لا يجيبك، قال عمر: فحركت بعيري حتى كنت أمام الناس، وخشيت أن ينزل في قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخًا يصرح بي، قال: فقلت: لقد خشيت أن ينزل في قرآن، قال: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فقال: (( لقد أنزلت على الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ) )ثم قرأ: {إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا} ، وقوله نزرت بزاي مخففة: