الذي لا يحس (يأثم) (ولا بأنه يضمن) ، (إذا لم يصلح لأن ينسب إليه الفعل) ونظيره ميت انتفخ فانكسر بسبب انتفاخه قارورة، أو راكب مات فسقط على شيء، لا يضمنان؛ لأنهما لا فعل لهما.
ودونه الملجأ كمن ألقاه إنسان من شاهق فسقط على إنسان، فقتله، فكذلك لا شيء عليه لأنه لا فعل له أيضًا. ولكنه يدري بسقوط نفسه، فيمكن أن يؤدي اجتهاد مجتهد إلى جعله طريقًا في الضمان فيطالب به، ولكن يكون القرار على الملقى. ويقرب من ذلك طفل سقط على شيء، قال أصحابنا: يضمن ويستقر الضمان عليه، (واستقرار الضمان) في مسألة الإلقاء متعذر، لأن الملقى موجود وهو سبب يحال عليه: ودون ذلك المكره، فهل هو كالآلة فلا يتعلق به شيء؟ هذا لم يقل به أحد، بل اتفقوا على أنه يتعلق به الإثم.
وجوب القصاص على القاتل والآمر حالة الإكراه:
واختلفوا في القصاص، وفي الدية أيضًا بناء على انتفائه، والأصح وجوب القصاص، ثم وجوب نصف الدية إن قلنا لا يجب القصاص، ودون ذلك من أمر بشيء من شيئين كمن قيل له: اقتل زيدًا أو عمرًا وإلاَّ قتلتك) فالصحيح: أن هذا ليس بمكره لأنه يجد محيصًا. وفي وجه: أنه إكراه. اختاره القاضي حسين. وهو عندي قوي لا فرق بينه وبين المكره على قتل معين إلاَّ من جهة أن هذا يجد محيصًا عمن قتله بنفسه وبرفيقه، وذاك لا يجد إلاَّ بنفسه.
وقولهم: (هذا تخيير وليس بإكراه) : يقال عليه: موضوع التخيير لا إكراه فيه، وموضع الإكراه وهو أحدهما لا تخيير فيه. وهذا كما قلناه في المكره على قتل معين سواء، والله المستعان.
وأما قولكم: (إن قضية كلامنا هنا أن السكران غير مكلف) فمن أين لكم ذلك؟ ونحن لم نقل إلاَّ: (أن الغافل غير مكلف) ، فإن قلتم: (فالسكران غافل) ، قلنا: قد بينا في الشرح له أحوالًا غايتها أن يكون طافحًا لا يدري السماء من الأرض ولا الطول من العرض. ونحن نقول فيمن وصل إلى هذه الحالة: (إن التكليف في حقه مستصحب لا واقع وقوعًا مبتدأً كما حققناه في الخارج من المغصوب نحن وإمام الحرمين، حين قلنا: إنه مرتبك في المعصية. وهذا وإن رده رادون على إمام الحرمين فهو عندنا الحق الذي لا مرية فيه.
فإذن صح قولنا في (شرح المختصر) : (إن السكران مكلف) .
ومكلف اسم مفعول من الكلفة، وإن شئت قل: التكليف. مع قولنا إن الغافل غير مكلف لأن عدم تكليفه إنما جاء من قبل غفلته، وهو أمر عام من هذه الحيثية، وقد يستمر عليه التكليف استصحابًا من قبل غيه وتعاطيه المحرم تغليظًا عليه. ولو قلنا: (السكران يكلف) بالياء لأمكن أن يورد علينا ما قلتم؛ لأن الفعل يدل على الحدث والزمان، وكان مقتضى قولنا آن ذاك أنه يصح طريان التكليف عليه زمن سكره، ونحن لا نقول ذلك وإنما نقول: إن مكلف اسم مفعول واسم المفعول كاسم الفاعل قد سلب الدلالة على الزمان، وازداد الدلالة على الاستقرار والثبوت).
السكران المتعدي مكلف:
فإن قلت: إن كانت الغفلة تنافي التكليف، فينبغي أن لا يفترق الحال بين السكران وغيره، وإلاَّ فكذلك. قلت: الغفلة تنافي ابتداء التكليف دون دوامه، والفرق بين السكران وغيره اقتحامه المعصية، ولذلك نخص ذلك بمن سكر عدوانًا دون من لم يعص بسكره.
وأما قولنا: إن الخطاب إن اقتضى الترك غير جازم بنهي مخصوص فكراهة، أو بغير مخصوص فخلاف الأولى. فلا ينافي قولنا: والقبيح المنهي عنه ولو بالعموم. فدخل خلاف الأولى. لأن المنهي إما مع الجزم فالحرمة، أو لا مع الجزم، إما بنهي مخصوص فالكراهة، أو لا بنهي مخصوص، وإليه الإشارة بقولنا: ولو بالعموم فهو خلاف الأولى. وهذا واضح لا خفاء به.