الصفحة 10 من 76

ترادف الفرض والواجب:

وأما ترادف الفرض والواجب فواضح، لأن الذي يدعي أبو حنيفة أنه واجب غر فرض، إن مدح فاعله وعاقب تاركه فهو الفرض عندنا، وإن لم يعاقب تاركه مع مدحه فاعله فهو السنة، وإن لم يعاقب تاركه ولم يمدح فاعله فإما أن يذمه فهو الحرام، وإما أن لا يمدحه ولا يذمه بل يكون قد نهاه بنهي مخصوص فهو المكروه، أو بغير مخصوص فهو خلاف الأولى، وإما أن يكون قد نفي عنه الذم والمدح فهو المباح فالقسمة عقلية لا مخرج عنها.

وقولكم: (من جحد ما ثبت بدليل قطعي كفر) ، نقول: على تقدير تسليمه الثابت بدليل قطعي: قد يكون فرضًا وقد يكون حرامًا ثبتت حرمته بالقطع، فأي تعلق له بما نحن فيه؟

ثم نقول: غاية الأمر أن بعض الواجبات يكفر جاحدها، وهذا مسلم، فإن قال أبو حنيفة: لا أسميه واجبًا وإنما أسميه فرضًا. نقول: هذا خلاف في اللفظ، فإنك تُكَفِّر ببعض الواجبات إذا جحدت وتنفي عنها اسم الوجوب، ونحن نكَفِّر بها أيضًا ولكن لا ننفي عنها اسم الوجوب.

فالحاصل أن ما يطلبه الشارع من المكلف قسمناه نحن إلى قسمين، قسم ذم تاركه فسميناه واجبًا وفرضًا، وقسم لم يذمه فسميناه سنة ونافلة.

وقسموه هم إلى ثلاثة أقسام، قسم ثبت بالقطع فسموه بالفرض وقسم ثبت بالظن فسموه بالواجب، وقسم لا ذم فيه فسموه بالسنة، ثم الكلام في التكفير مسألة أخرى.

واعلم أن أبا حنيفة لا يكفر جاحد القطعي مطلقًا، ولا نحن أيضًا نكفره، بل بشرط الشهرة والإجماع فإن فقدا لم يكفر بلا خلاف، وإن فقد أحدهما دون آخر ففيه نظر وتردد، ونحن قد أحسنا القول في ذلك في آخر كتاب الإجماع من (جمع الجوامع) .

تعريف الأداء والقضاء:

وأما تعريف الأداء والقضاء، فقد قلنا في (جمع الجوامع) ما نصه: (والأداء فعل بعض، وقيل: كل ما دخل وقته قبل خروجه، والمؤدى: ما فعل، والوقت: الزمان المقدر له شرعًا مطلقًا. والقضاء: فعل كل، وقيل: بعض ما خرج وقت أدائه استدراكًا لما سبق له مقتضى للفعل مطلقًا، والمقضي المفعول انتهى) .

وشرحه: أما الأداء، فقولنا: (فعل بعض ما دخل وقته) جنس يدخل فيه فعل بعض ما دخل وقته بعد خروجه، وما دخل ولم يخرج. وقولنا: (قبل خروجه) فصل يخرج فعله بعد خروجه. وإنما قلنا (بعض) لأن الأصح عندنا فيمن فعل بعض العبادة في الوقت وبعضها خارجه أنها تكون أداء كلها. وصححه الرافعي، والنووي، ولكن بشرط كون المأتي به في الوقت ركعة.

ولا يفهم من لفظ (بعض) : أنه للتقييد: فيقال: فيلزم أنه إذا فعل الكل لا يكون أداءً لأن من فعل الكل فقد فعل البعض وزاد، إذ فاعل البعض صادق على الصورتين.

وإنما كان يلزم أن لو قلنا: (فعل بعض) : بقيد البعضية، وليس الأمر كذلك مع أن كون فعل الكل في الوقت أداء في غاية الوضوح وأولى من كونها أداءً بفعل البعض: ونظير لفظ البعض في كلامنا هنا، قول ابن الحاجب في الإيراد على حد الفقه (وأورد إن كان المراد البعض لم يطرد) فإن مراده بالبعض أعم من الجميع، ولذلك فسرناه في (شرح المختصر) بقولنا: (أي لم يكن المراد الجميع) . وأشرنا بقولنا: (وقيل كل) إلى الوجه المقابل له وهو أنها لا تكون أداءً.

ومن قال بعضها أداء، وبعضها قضاء، فقد قال ليست أداءً لأن حديثنا عن العبادة بتمامها.

وقولنا: (كل وبعض) في كلامنا مضافان، وفصلنا بين المضاف إليه وهو ما دخل وقته قبل خروجه، وبين المضاف وهو بعض. بقولنا (وقيل) اختصارًا وهو على حد قولك مررت بغلام إما زيد أو عمرو، إذا تحققت أنه غلام أحدهما وشككت في عينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت