ومثله: (قطع الله يد ورجل من قالها) .
وإنما عدلنا عن مثل قول ابن الحاجب وغيره (الأداء ما فعل في وقته المقدر له شرعًا أولًا) لأنك إذا تأملته وجدته مع فساده حدًا للعبادة المؤداة لا للأداء؛ لأن (ما) في قولهم (ما فعل) إما موصولة بمعنى الذي أو نكرة موصوفة، والمعنى شيء فعل في وقته إلى آخره، وذلك الشيء الذي فعل هو المؤدى لا الأداء، وفرق بين المصدر واسم المفعول، والكلام في الأول دون الثاني (واللفظ يخص الثاني) دون الأول ونحن عرفنا المصدر بما عرفت، ثم عرفنا اسم المفعول فقلنا: (والمؤدى ما فعل) أي في وقته المقدر له شرعًا، وإنما عرفناه ليستفاد، ولننبه به على مكان الاعتراض، على من عرف الأداء بما لا يصح إلاَّ تعريفًا للمؤدى.
ولذلك قلنا: (ما فعل) ولم نقل: (المفعول) ، وإن كان لفظ المفعول أخصر من لفظ ما فعل، لأنا أردنا أن نحكي لفظ ابن الحاجب رحمه الله تعالى أو بعضه ليتيقظ له الذهن.
وإن جاز جعل ما في كلامه مصدرية.
ولذلك لما تكلمنا في القضاء قلنا: (والمقضي المفعول) ، ولم نقل (ما فعل) لاستغنائنا بما تقدم في تعريف الأداء.
وقد كان ابن الحاجب رحمه الله إمامًا مقدمًا في الأصول والفقه، والنحو والتصريف، أمسكته البلاغة زمامها، وألقت إليه الفصاحة مقاليدها، وأعطاه الإيجاز كله، ومن بحر علمه اغترفنا، وبكثير علمه اعترفنا، فلا يظنن أنا أردنا في هذا الكتاب مطاولته، فأين الثريا من يد المتطاول؟! وإنما أردنا الاقتداء به والسير على سننه رحمه الله، ورضي عنه، ما أكثر فائدته وأجزل عائدته.
وأنت إذا تأملت ما شرحنا به الأداء والمؤدى في (هذا الكتاب) عرفت به شرح كلامنا في القضاء والمقضي فلا نطيل، ونحن من رأس القلم نكتب حيث لا كتاب ولا وقت متسع لإرخاء عنان الكلام.
لا تكليف في الندب والإباحة:
وأما طلبكم الجمع بين قولنا: (إن المندوب والمباح غير مكلف بهما) ، مع قولنا: (الإباحة حكم شرعي) ، فجوابه أنه لا يلزم من كون الإباحة حكمًا شرعيًا أن تكون مكلفًا بها، فإن التكليف تفعيل فيما فيه كلفة إما بالإلزام به، أو طلبه كما ذكرناه في (جمع الجوامع) ، ولا كلفة، ولا إلزام، ولا طلب في المباح.
تعريف فرض الكفاية:
وأما قولنا في فرض الكفاية (بالذات) وكونها زيادة. فكم في هذا الكتاب من زيادات غفل عنها الأكثرون، وتحقيقات يذعن لها المحققون.
واعلم أن الغزالي عرّف فرض الكفاية: بأنه (كل مهم ديني يقصد الشرع حصوله من غير نظر إلى فاعله) ، والمهم الذي يقصد الشرع حصوله (جنس) يشمل فرض العين والكفاية. وقوله: (من غير نظر إلى فاعله) فصل يخرج العين، وفي التعريف زيادة ونقص.
أما الزيادة فقوله (ديني) فليس من شرط فرض الكفاية أن يكون دينيًا: ألا ترى أن الحرف، والصنائع مهمات وليست دينية، لأن المعنى بالديني ما هو من قواعد الدين، الذي هو عند الله الإسلام، الذي هو مبني على الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والحج.
وأما النقص فقوله (من غير نظر إلى فاعله) فإنه يقتضي أن فرض الكفاية لا ينظر إلى فاعله وليس كذلك بل لا بد من النظر إلى فاعله، ولذلك كان متعلق الثواب والعقاب. نعم ليس الفاعل فيه مقصودًا بالذات لأن المقصود بالذات وقوع الفعل، وإنما هو مقصود بالعرض، لأنه لا بد لكل فعل من فاعل. فإذا طلب الشارع غسل الميت لم يكن بد من طلبه الغاسل، لأن الغسل بدون غاسل غير معقول، ولكن لما لم يكن الغاسل مقصودًا بالذات، لم يقصد غاسل بعينه، لا على العموم ولا على الخصوص.