وإنما قصد غاسل (ما) بالعرض، فلم يكن بد من الزيادة التي زودناها، وهي قولنا (بالذات) وقد أشرنا إليها في (شرح المختصر) في أثناء الكلام على المسألة.
ومن النقصان الذي نقصناه، وهو لفظ: (الديني) .
الكافر مكلف بالفروع:
وأما سؤالكم عن معنى قولنا: قال الشيخ الإمام: والخلاف في خطاب التكليف ... إلى آخره، فعجيب؛ فإنكم تصورتم أن مرادنا بقولنا: (وما يرجع إليه من الوضع) جميع خطاب الوضع، وإنما مرادنا وهو مدلول اللفظ ما يرجع منه إلى خطاب التكليف، لا ما لا يرجع منه.
فإن خطاب الوضع على قسمين: منه ما يرجع إلى خطاب التكليف كالزكاة، ومنه ما لا يرجع كالإتلاف والجنايات وترتب آثار العقود، فلا حاصل لقولكم، مع أن الإتلاف من خطاب الوضع.
تعريف القرآن:
وأما تعريف الكتاب، فإن قلنا: (الكتاب القرآن، والمعني به هنا اللفظ المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز بسورة منه، المتعبد بتلاوته) انتهى، فقولنا (الكتاب القرآن) كقولك الإنسان البشر، والقمح البر، وهذا لأن الألف واللام في الكتاب للعهد، والمراد الكتاب الذي يتعارفه المسلمون وهو حجة الله بينهم: وهو المفهوم، حيث نقابله بالسنة والإجماع، فنقول الكتاب والسنَّة والإجماع، وقولنا: (المعني به هنا) إشارة إلى أن القرآن يطلق تارةً، ويراد به المعنى القائم بالنفس وذلك محل نظر المتكلمين، وأخرى ويراد به الألفاظ المقطعة المسموعة، وهذا محل نظر الأصوليين والفقهاء وسائر خدمة الألفاظ كالنحاة والبيانيين والبديعيين والتصريفيين واللغويين.
وقولنا: (اللفظ) : هو أول التعريف، فاللفظ جنس، واخترناه هنا على التعبير بالقول، وإن كنا في حد الكلمة وافقنا شيخنا أبا حيان رحمه الله، وقلنا: (الكلمة قول) ، ولم نقل لفظ، فإن أبا حيان قال: التعبير بالقول أولى لأنه أخص من اللفظ والإتيان بالجنس القريب في التعاريف أولى من البعيد. فقفونا أثره في حد الكلمة، وأما في حد القرآن فلم نتمكن من ذلك، لأن مرادنا التنصيص على أن بحثنا عن الألفاظ، ولو قلنا (القول) لم يفهم ذلك. لأن القول كما يطلق على اللساني يطلق على النفساني، فكان التعبير باللفظ هنا هو الصواب.
فإن قلت: إذا كان القول يطلق على النفساني فليس حينئذٍ أخص من اللفظ مطلقًا كما زعم أبو حيان، بل يكون بينهما عموم وخصوص، وهذا لأن اللفظ كالكلم، أعم من المفيد وغيره، والقول كالكلام مخصوص بالمفيد، ولكنه أعم من اللفظ من حيث إنه يطلق على النفساني كما يطلق على اللساني. قلت: أبو حيان لا ينكر ذلك، ولكن صناعته لفظية، ولا حديث له في مسألة النفساني البتة، فلما كان نظره مقصورًا على الألفاظ كان التعبير بالقول أولى، لأن المعني به عند النحاة لفظ مفيد، فهو أخص من مطلق اللفظ من كل وجه.
وقولنا: (المنزل) فصل: يخرج اللفظ غير المنزل، وقد عرفناك في (شرح المختصر) ما نعنيه بالمنزل هنا، وأن الألفاظ لا تقبل حقيقة النزول، وعرفناك في هذه الأجوبة أن التعاريف لا تخلو عن ضرب من المجاز.
وقولنا: (على محمد صلى الله عليه وسلم) : فصل ثانٍ يخرج المنزل على غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كموسى وعيسى وغيرهما، سلام الله عليهم ورحمته وبركاته.
وللإعجاز فصل ثالث يخرج المنزل لا للإعجاز، كالأحاديث القدسية، وقولنا: (بسورة منه) من تتمة الفصل الثالث، والمعنى أن الإعجاز واقع بسورة منه، فإنا لو أطلقنا المنزل للإعجاز لأوهم أن الإعجاز بكله وليس كذلك، ولا ينبغي أن يتوهم أنه