الصفحة 8 من 76

وما ذاك إلاَّ لأن دأب الفقهاء - لاتساع علمهم وتشعب مواقع النظر فيه - أن يحاولوا ضبط المتفرقات وجمع المتناظرات، حرصًا على الإحاطة بالمقصود.

حقيقة الإكراه تنافي التكليف:

ثم إذا عرض الكلام على ميزان التحقيق والاعتبار سلك به سبيله، فاحفظ ما نلقيه إليك. وإلاَّ فإذا كانت حقيقة الإكراه منافية لصحة التكليف فكيف تقع ولو في صورة؟ وأنى يصح الاستثناء؟ وإذا لم تنافِ فما وجه الإخراج؟ فالتحقيق بيان أنه: هل هو منافٍ أو لا؟ فإذا صحت المنافاة لم يجتمع معه التكليف أصلًا.

وعذر من استثنى ما أبديناه من قصد الإفادة والإحاطة، ولو ضايقه مضايق لقال: صواب العبارة إذا كان هذا مقصدك أن تقول: الإكراه يسقط أثر التصرف مطلقًا، أو ينفي التكليف مطلقًا، وثَمَّ صور يتصور فيها الإكراه ولم ينتفِ فيها التكليف وهي: كيت وكيت.

وإن أخذ الشادي في العلم يتعنت ويقول، إن حقيقة الإكراه تنافي التكليف إلاَّ في هذه الصور.

قلنا له: هذا من فضول الكلام، فالحقائق لا تختلف، ولئن صلحت الحقيقة من حيث هي للتكليف في صورة صلحت في كل الصور.

فإن قال: تخرج تلك لمانع.

قلنا: خروج صورة لمانع لا يدفع النقض، والنقض قادح مطلقًا.

فإذًا، الاستثناء لا وجه له. وهذا يزداد تحقيقًا بعد تأمل ما سطرناه في (شرح المختصر) في النقض.

الإكراه قد يكون ملجئًا وقد يكون غير ملجئ:

ولعلك تقول: المُلجأ بعض المكره، وهذا لأن المكره قد يكره إكراهًا ملجئًا وقد يكره إكراهًا غير ملجئ، فهل قولكم: (وكذا المكره) بعد قولكم (الملجأ) من عطف العام على الخاص؟

فاعلم أن الملجأ عندنا: من لا يجد مندوحة عن الفعل مع حضور عقله، وذلك كمن يلقى من شاهق، فهو لا يجد بدًّا من الوقوع، ولا اختيار له في الوقوع، ولا هو بفاعل له، وإنما هو آلة محضة كالسكين في يد القاطع، فلا ينسب إليه فعل، وحركته كحركة المرتعش.

والمكره من ينسب إليه الفعل فيقال: فعل مكرهًا غير مختار. وهو من لا يجد مندوحة عن الفعل إلاَّ بالصبر على إيقاع ما أكره به، كمن قال له قادر على ما يتوعد: (اقتل زيدًا وإلاَّ قتلتك) لا يجد مندوحة عن قتله إلاَّ بتسليم نفسه للهلاك.

فهذا إقدامه على قتل زيد ليس كوقوع الذي ألقي من شاهق، وإن اشتركا في عدم التكليف، لكن تكليف هذا أقرب من تكليف ذاك، كما أن تكليف ذاك أقرب من تكليف الغافل الذي لا يدري.

فإذن المراتب ثلاث، وقد رتبناها، وأبعدها تكليف الغافل فإنه لا يدري، ويتلوها تكليف الملجأ فإنه يدري، ولكن لا مندوحة له عن الفعل، ويتلوها المكره فإنه يدري وله مندوحة ولكن بطريق:

تارةً: لم يكلفه الشارع الصبر عليها كما في الإكراه على شرب الخمر وكلمة الكفر.

وتارةً: قيل: إنه كلفه كما في الإكراه على القتل: يعتقد أكثر الفقهاء أنه كلف الصبر على قتل نفسه ونحن لا نعتقد ذلك، وإنما نعتقد أنه كلف أن لا يؤثر نفسه على نفس غيره المكافئ له لاستوائهما في نظر الشارع، فلما آثر وأقدم لمجرد حظ نفسه وجب عليه القصاص على الأصح وأثم بلا خلاف. وانظر كيف راعى الفقهاء هذه المراتب الثلاث فلم يقل أحد بأن الغافل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت