الصفحة 7 من 76

وأما كون ذلك بالحقيقة أو المجاز فيتوقف على نقل اللغة، والأظهر عندي أنه بالحقيقة.

ومن هنا يعلم أن عدول الآمدي وابن الحاجب وغيرهما عن لفظ العملية إلى لفظ الفرعية احتجاجًا بأن النية من مسائل الفروع وليست عملًا ليس بجيد؛ لأنها عمل، فإن قلت فلفظ الفرعية أوضح من العملية فلم لا= اخترتموه؟ قلت: لأنه لا يدخل فيه وجوب اعتقاد مسائل الديانات التي لا تثبت إلاَّ بالسمع فإنها عندي فقه وليست فرعية.

وفي كلام الشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى في (شرح المنهاج) ما يقتضي أن لفظ الفرعية أجود، وأن الأظهر أن وجوب اعتقاد ما ثبت من الديانات بالسمع لا يسمى فقهًا، ولكني لست أوافق على ذلك.

المجاز إذا اشتهر يجوز دخوله في الحدود:

وأما دخول المجاز في الحد فجائز إذا كان مشهورًا.

وأنا أقول: إني لم أر تعريفًا إلى الآن لا مجاز فيه، لا في المنطق ولا في الكلام، ولا الأصول وهي العلوم التي تحرر التعاريف فيها أكثر من غيرها، فما ظنك بغيرها؟!

وأما قولنا: (بل الأمر موقوف إلى وروده) عقب قولنا: (ولا حكم قبل الشرع) فإنا نبهنا به على دقيقة، وهي أن شيخنا أبا الحسن - سقى الله عهده صوب الرحمة والرضوان - نفى الحكم قبل الشرع، وليس معنى ذلك نفي العلم به كما توهمه البيضاوي وغيره، بل نفيه نفسه.

وأعني بنفيه نفسه: نفي وقوعه علمًا، وجعله موقوفًا إلى البعثة.

ووقع في عبارات كثير من أئمتنا اختيار الوقف في هذه المسألة، وتوهم متوهمون أنه غير القول بنفي الأحكام وليس كذلك، بل مرادهم بالوقف أن الأمر موقوف على ورود السمع، وأن الحكم منتف ما لم يرد فهم يعنون بالوقف غير ما تعنيه المعتزلة من عدم الدراية ونحوها. وهذا قد قررناه في (شرح المختصر) فلا حاجة إلى الإعادة هنا، وحظ هذا المكان أن نقول: أردنا بقولنا: (بل الأمر موقوف إلى وروده) مع قولنا: ولا حكم قبل الشرع) أن القول بالوقف لا ينافي القول بانتفاء الأحكام رأسًا، لأن معناه إرجاء الأمر وتأخيره إلى البعث وهذا من محاسن هذا الكتاب التي لا تجدها في غيره.

وأما قولنا: (وإثم القاتل لإيثاره نفسه) بعد قولنا ما نصه: (والصواب امتناع تكليف الغافل والملجأ وكذا المكره على الصحيح ولو على القتل) .

فإنه جواب سؤال مقدر، تقديره إذا كان المكره غير مكلف، فما بال المكره على القتل يأثم؟

وتقرير الجواب أنه لا يأثم من حيث إنه مكره وإنه= قتل، بل من حيث إنه آثر نفسه على غيره، فهو ذو جهتين: جهة الإكراه ولا إثم من ناحيتها، وجهة الإيثار ولا إكراه فيها. وهذا لأنك إذا قلت: (اقتل زيدًا وإلاَّ قتلتك) فمعناه التخيير بين نفسه وزيد، فإذا آثر نفسه فقد أثم لأنه اختار.

وهذا كما قيل في خصال الكفارة: محل التخيير لا وجوب فيه، ومحل الوجوب لا تخيير فيه، كذلك نقول هنا: أصل القتل لا عقاب فيه، والقتل المخصوص فيه عقاب لتضمنه الاختيار، وهو إيثار نفسه على غيره.

وهذا تحقيق هائل، عليك بعرض كلام الفقهاء والخلافيين عليه، فإن أباه فادرأ ما عداه.

وأنت إذا حققته علمت أنه لا استثناء لصورة القتل من قولنا: (المكره غير مكلف) .

وقول الفقهاء: (الإكراه يسقط أثر التصرف إلاَّ في صور) ، إنما ذكروه لضبط تلك الصور لا لأنه يستثنى من حقيقته شيء. وإن وقع ذلك في كلام الغزالي وغيره من المحققين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت