وقد دار على ألسنة الناس، وصار في كل محفل كمضغة تلوكها الأشداق وتتردد تردد الأنفاس، وطار بناؤه وأنا أنادي (ما في وقوفك ساعة من باس) ولست أدعي أنه جمع سلامة، ولا أبريه كلما توجَّهَت نحوه الملاءة، ولا أتعصب له فبئست الخصلة إذا قلت لكل من اعترضه في الملامة كلا.
ولا أبيعه بشرط البراءة من كل عيب، بل أقول: يؤخذ من قوله ويترك والله العليم بالغيب، وينظر فيه مع تجويز اعتراض الشك له والريب.
وقد وردت عليَّ هذه الأسولة وكثير منها لا يختص به فأخذت في جوابها جميعًا، حبًّا للعلم وطلبه، ورغبة في إزالة كل مشتبك ومشتبه، وضممت إليها بعد ذلك سؤالات أخر، وردت من جنسها، فأجبت عنها بما أرجو أن يطمئن به القلب ويقر البصر.
فأقول، والله المستعان وعليه التكلان فيما نأتي ونذر:
موضوع أصول الفقه:
أما قولكم لم حذفتم من أصول الفقه لفظ المعرفة وأتيتم في تعريف الفقه بلفظ العلم؟ فجوابه أن الأدلة الكلية لها حقائق في أنفسها؟ من حيث دلالتها ومن حيث تعلق العلم بها.
وقد اضطرب رأي المتأخرين في أن موضوع أصول الفقه هو تلك الحقائق في أنفسها أو العلم بها؟
وكلام الإمام الرازي وغيره يقتضي الأول، وهو الصواب عندي، لأن أهل العرف يسمون العلم أصولًا، ونقول: هذا كتاب أصول.
ولأن الأصول في اللغة: الأدلة فَجَعْلُهُ اصطلاحًا نفس الأدلة أقرب إلى المدلول لغةً. وكلام صاحب (الحاصل) والبيضاوي يقتضي الثاني ولا أراه. إذا عرفت هذا جئنا إلى الفقه، فنقول: الفقه عندنا هو العلم بالأحكام لا نفسها، لأن ذلك هو الأقربُ إلى استعماله اللغوي؛ إذ الفقه لغة الفهم، وليس كذلك الأصول فهذا فارق ما بين الأصول والفقه. وقد أشار إليه الشيخ الإمام الوالد رحمه الله تعالى في القطعة التي عملها على منهاج البيضاوي، وكملنا نحن عليها.
فقال ما نصه: (والأولى جعل الأصول للأدلة، والفقه للعلم، لأنه أقرب إلى الاستعمال اللغوي) انتهى.
وذلك هو ما أورده إمام الحرمين في (البرهان) وغيره من المحققين. كلهم جعلوا الأصول نفس الأدلة.
وأما قولنا في حد الفقه: (العملية) ، مع قولنا: (الحكم خطاب الله المتعلق بفعل المكلف) فلا منافاة فيه.
وقولكم: (الاعتقادات الدينية كأصول الدين أحكام) :
جوابه: أن أصول الدين، منه ما يثبت بالعقل وحده كوجود الباري، ومنه ما لا يثبت إلاَّ بكل من العقل والسمع، وهذان خرجا بقولنا (الشرعية) وتفسيرنا إياها نحن وغيرنا بما يتوقف على الشرع.
ومنه ما لا يثبت إلاَّ بالسمع كمسألة أن الجنة مخلوقة، ونحوها. فنقول: المراد بالحكم الإنشائي لا الخبري. وما لا يثبت إلاَّ بالسمع ينظر إليه من جهتين.
إحداهما: أصل ثبوته، وذلك ليس بإنشاء، لأن السمع فيه مخبر لا منشئ، كقولنا: الجنة مخلوقة والصراط حق.
والثانية: وجوب اعتقاده وذلك حكم شرعي إنشائي وهو عندنا عملي من مسائل الفقه، وهو داخل في قولنا (الحكم خطاب الله المتعلق بفعل المكلف) .
وقولكم: هل تسمى الاعتقادات والنيات والأقوال أفعالًا؟
جوابه: أنها تسمى.