الصفحة 5 من 76

بسم الله الرحمن الرحيم

الأجوبة:

صفة جواب سيدنا ومولانا قاضي القضاة شيخ الإسلام والمسلمين، بقية المجتهدين، سيد المحققين، موضح المشكلات بالدلائل الواضحات؛ بلغه الله أعلى المقامات، وختم أعماله بالصالحات.

قال عبد الوهاب بن السبكي عامله الله بخفي الألطاف، بعد أن نظر في هذه الأسئلة بعين الإنصاف متحليًا في الجواب عنها من طرح رداء العصبية بأجمل الأوصاف.

الحمد لله الذي أسس قواعد دينه على أثبت دعائم، وقدس مباني شرعه عن وضر الشكوك ودنس أوهام كل هائم، ونفّس بحكمته البالغة كرب العلماء إذا اطلخمت شبهات تقود أناسًا كالبهائم.

نحمده على كماله الدائم، وجماله الذي يستروح إليه كل رقيق الفؤاد ملائم، وجلاله الذي ترعد لديه فرائص الآساد وتجر ذيول الهزائم، ونشكره على نعمه العظائم، وديمه التي تخجل صوب الغمائم، وكرمه الذي شمل ذوات البراقع وعم ذوي العمائم.

ونشهد أن لا إله إلاَّ الله واحدًا أحدًا فردًا صمدًا لا تحيط به الأفهام وإن طلعت ثمارها من الكمائم، ولا تحتوشه الأوهام وإن جالت في ميدان البراهين بقوادم القوائم، ولا تكتنفه الإشارات وإن خطرت في أفئدة الكرام والكرائم.

ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الذي ابتعثه وظلام الضلال مدلهم قائم. وضياء الهدى ضمير مستكن أو ظاهر ظهور نائم، فرفع به منار الحق ونكس أعلام ذوي الجرائم، وصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين قام بهم عماد دينه وغردت عليه الحمائم، ووضح بجدهم منهاج الحق لكل رائد ورائم، واستقرت بعزيمتهم قواعد الملة في المشارق والمغارب.

وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.

أما بعد: فإن العالم وإن امتد باعه واشتد في ميادين الجدال دفاعه، واستد ساعده حتى خرق به كل باب سد بابه وأحكم امتناعه.

فنفعه قاصر على مدة حياته، ما لم يصنف كتابًا يخلد بعده، أو يورث علمًا ينقله عنه تلميذ إذا وجد الناس فقده، أو تهتدي به فئة مات عنها وقد ألبسها به الرشاد برده.

ولعمري إن التصنيف لأرفعها مكانًا، لأنه أطولها زمانًا، وأدومها إذا مات أحيانًا، ولذلك لا يخلو لنا وقت يمر بنا خاليًا عن التصنيف، ولا يخلو لنا زمن إلاَّ وقد تقلد عقده جواهر التأليف. ولا يخلو علينا الدهر ساعة فراغ إلاَّ ويعمل فيها القلم بالترتيب والترصيف.

وكان مما دعوت له الجَفَلَى ولم ألف غير ملب يبادر ويسارع، ورقيت به إلى سماء التحقيق فأنشد: (لنا قمراها والنجوم الطوالع) وحشدت فيه فكري حتى فاض على الإناء، وناداه لسان الفكر (جمع الجوامع) .

طويت فكري فيه على همة سائرًا في نشر العلم سيرًا حثيثًا، وملأت داري منه بمسودات أرى قديمها لكثرة ما أعاوده حديثًا، وشغلته أو شغلت نفسي فيه بما تنوع كلامًا وأصولًا وفقهًا وحديثًا، وأيم الله لقد استوعب مني كثيرًا من أوقات الفراغ. وأخذ من أقلامي وأفكاري ما كاد يستفرغ مدد المداد والدماغ، وسمع من كلمي وحكمي ما ليس عند ذوي البلاغ بلاغ.

فلو كان ذا لسان لادعى أنه نفيس عمري ونخبة فكري، والذي شمرت فيه عن ساق الجد، وقد عدمت في الديجور أعوانًا على سهري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت