وقول توبة:
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت علي ودوني جندل وصفائح
لسلمت تسليم البشائة أوزقا إليها صدى من جانب القبر صائح
وأغبط من ليلى بما لا أناله ألا كل ما قرت به العين صالح
وقول آخر:
لا يلفك الراجوك إلاَّ مظهرًا خلق الكرام ولو تكون عديمًا
وأما قولنا: (قال سيبويه) إلى آخره، فهذه مخاضة (لو) الامتناعية، وقد أكثر الخائضون فيها القول، وعبارة سيبويه مقتضية أن التالي فيها كان بتقدير وقوع المقدم قريب الوقوع، لإتيانه بالسين في قوله سيقع.
وذهب قوم إلى أنها حرف امتناع لامتناع، وهي عبارة المعربين، وردها جماعة من المحققين، منهم: الشيخ أبو العباس القرافي، والشيخ الإمام الوالد، وغيرهما.
قال الوالد رحمه الله (دعوى دلالتها على الامتناع مطلقًا منقوضة بما لا قبل به) ثم نقض هو وغيره بمثل قوله تعالى: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} .
قالوا: فلو كانت حرف امتناع لامتناع، لزم نفاد الكلمات، مع عدم كون كل ما في الأرض من شجرة أقلامًا تكتب الكلمات، وكون البحر الأعظم بمنزل الدواة، وكون السبعة الأبحر مملوءة مدادًا وهي تمد ذلك البحر: وقول عمر رضي الله عنه (نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه) قالوا: فيلزم ثبوت المعصية مع ثبوت الخوف وهو عكس المراد ثم اضطربت عباراتهم وكان أقربها إلى التحقيق كلام الوالد في كتابه (كشف القناع عن(لو) للامتناع) وفي (النوادر الهمدانية) ، فإنه ذكر ما نصه: (تتبعت مواقع(لو) من الكتاب العزيز والكلام الفصيح فوجدت أن المستمر فيها انتفاء الأول وكون وجوده لو فرض مستلزمًا لوجود الثاني).
وأما الثاني: فإن كان الترتيب بينه وبين الأول مناسبًا ولم يخلف الأول غيره فالثاني منتف في هذه الصورة كقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} ، وكقول القائل: لو جئتي لأكرمتك، لكن المقصود الأعظم في المثال الأول نفي الشرط ردًّا على من ادعاه، وفي المثال الثاني أن الموجب لانتفاء الثاني هو انتفاء الأول لا غير، وإن لم يكن الترتيب بين الأول والثاني مناسبًا لم يدل على انتفاء الثاني، بل على وجوده من باب أولى، مثل (نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه) ، فإن المعصية منتفية عند عدم الخوف، فعند الخوف أولى. وإن كان الترتيب مناسبًا ولكن للأول عند انتفائه شيء آخر يخلفه مما يقتضي وجود الثاني. كقولنا لو كان إنسانًا لكان حيوانًا، فإنه عند انتفاء الإنسانية قد يخلفها غيرها مما يقتضي وجود الحيوانية). قال: (وهذا ميزان مستقيم مطرد(حيث وردت) لو، وفيها معنى الامتناع) انتهى.
وقد لخصناه نحن في (جمع الجوامع) كما رأيت، وجعلنا المناسب مراتب:
إحداها: أن يكون بالأولى: ومثاله (لو لم يخف لم يعص) .
والثانية: أن يكون بالمساواة: أي تكون مناسبة التالي مساوية لمناسبة المقدم، كقوله صلى الله عليه وسلم في بنت أم سلمة: (( إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة ) )فإن حلها له عليه الصلاة والسلام منتف من جهتين، كونها ربيبة في حجره، وكونها ابنة أخيه من الرضاعة.
والثالثة: أن تكون مناسبة ولكن دون مناسبة المقدم فيلحق به أيضًا للاشتراك في المعنى كما تقول في القياس الأدون، كقياس البطيخ على البر. وذلك كما لو قلت في أختك من النسب والرضاع: لو انتفت أخوة النسب لما كانت حلالًا، لأنها أخت من الرضاعة، فتحريم أخت الرضاعة دون تحريم أخت النسب ولكنها علة مقتضية للتحريم كاقتضاء النسب، ولو انتفت أقوى