العلتين لاستقلت الضعيفة إذا كانت في نفسها صالحة للتعليل، وهذه المراتب لم أر من ذكرها غيري. لكنها مساق كلام الشيخ الإمام، فلذلك ذكرتها في أثناء كلامه.
وإنما قلنا في هذا المثال الثالث كقولك: لأنه لا يوجد له. وهو كقولك لو كان إنسانًا لكان حيوانًا، فكلاهما ليس في كلام الشارع ولا العرب، وإنما ذكرناه مثالًا لأنه قد يوجد شبيهه.
وهذا بخلاف: (نعم العبد صهيب) فإنه أثر معروف عن عمر، وبخلاف: (( لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت ) )فإنه حديث صحيح.
ومن عادتي أن ما أضربه مثلًا، إن كان موجودًا في الكتاب أو السنَّة أو كلام العرب أو حملة الشريعة أطلقه، وإن كان غير موجود. أقول: كقولك أو كما قيل ونحوه.
وأما مذهب الشلوبين ودعواه: أنها لمجرد الربط (و) لا دلالة لها على الامتناع، فقال الوالد رحمه الله: إنه جحد للضروريات، قلت: ولا شك في هذا.
فهذا تقرير كلام سيبويه وكلام المعربين، وكلام الشلوبين، وكلام الشيخ الإمام، مع الزيادات التي زدناها.
واعلم أنا كتبنا هذا ونحن نوفق الوالد إذ ذاك على ما رآه، ولذلك عبرنا عنه بلفظ الصحيح.
وأما الذي أراه الآن وأدعي ارتداد عبارة سيبويه إليه وإطباق كلام العرب عليه فهو قول المعربين. وقول الوالد: (إنه منقوض بما لا قبل به) مما لا يظهر لي. وللشيخ الإمام رحمه الله الباع الواسع في مضائق الفهوم، والتحقيقات الباهرة إذا تحاجت الخصوم، ولكنا هنا نحيد عنه فإن كان خطأ فمنا ومن الشيطان، وإن كان صوابًا فمن الله وببركته رحمه الله.
فأقول: مدلول (لو) الشرطية: امتناع التالي لامتناع المقدم مطلقًا. وهذا هو مفهوم من قوله تعالى: {ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم} ، فالمعنى والله أعلم: ولكن حق القول فلم أشأ، أو: لم أشأ فحق القول.
{ولو أراكهم كثيرًا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم} ، أي: فلم يريكموهم.
كذلك: {ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض} .
{ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البيانات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد} .
{ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم} .
{ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرًا منهم فاسقون} .
{ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلًا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون} .
{ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} .
{ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا} .
{لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم} .
{لو كان عرضًا قريبًا وسفرًا قاصدًا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة} .
{ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدةً ولكن كره الله انبعاثهم} .
{ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمىً} .
{ولو شاء الله لجعلكم أمةً واحدةً ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء} .