الصفحة 187 من 216

فأخذت بطرف كمه فمددته فإذا هو عبد الله بن المبارك، فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا، قلت فانظروا رحمكم الله إلى هذا السيد المخلص كيف خاف على إخلاصه برؤية الناس له ومدحهم إياه فستر نفسه. وقد كان إبراهيم بن أدهم يقاتل فإذا اغنموا لم يأخذ شيئا من الغنيمة ليوفر له الأجر وقد لبس إبليس على المجاهد إذا غنم، فربما أخذ من الغنيمة ما ليس له فإما أن يكون قليل العلم فيرى أن أموال الكفار مباحة لمن أخذها ولا يدري أن الغلول من الغنائم معصية وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ففتح الله علينا، فلم نغنم ذهبًا ولا ورقًا وغنمنا المتاع والطعام والثياب وانطلقنا إلى الوادي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مبدأ له فلما نزلنا قام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحل رحاله فرمي بسهم فكان فيه حتفه فقلنا له هنيئًا له الشهادة يا رسول الله، فقال كلا والذي نفس محمد بيده إن الشعلة تلتهب عليه نارًا أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم، قال ففزع الناس، فجاء رجل بشراك أو شراكين فقال: أصبته يوم خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم شراك من نار أو شراكين من نار.

وقد يكون الغازي عالمًا بالتحريم إلا أنه يرى الشيء فلا يصبر عنه، وربما ظن أن جهاده يدفع عنه ما فعل، وها هنا يتعين أثر الإيمان والعلم. روينا بإسناد عن هبيرة بن الأشف عن أبي عبيدة العنبري قال: لما هبط المسلمون المدائن وجمعوا الأقباط الذين معه. ما رأينا مثل هذا ما يعدله ما عندنا ولا ما يقاربه، فقال له هل أخذت منه شيئًا؟ فقال: أما والله لولا ما أتيتم به فعرفوا أن للرجل شأنًا فقالوا: من أنت فقال والله لا أخبركم لتحمدوني ولا اقريكم لتقرظوني ولكن أحمد الله وأرضى بثوابه فأتبعوه رجالا حتى انتهى إلى أصحابه، فسئل عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس.

هناك من يتم استبعاده عن الطريق

فانتهوا أن للشدائد أصلا وذروا ما تزين الأهواء.

فهو يطلب منهم الانتماء الفتي ويدعوهم إلى الإفصاح عما ستروه من دافع حب الراحة وتجنب المشقة وهو نفسه الدافع الذي حكاه القرآن من المخلفين في سورة التوبة أن يقول الله تعالى (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم اشد حرًا لو كانوا يفقهون) .

(إن هؤلاء لهم نموذج في ضعف الهمة وطراوة الإرادة وكثيرون هم الذين يشفقون من المتاعب وينفرون من الجد ويؤثرون الراحة الرخيصة على الكدح الكريم ويفضلون السلامة الذليلة على الخطر العزيز وهم يتساقطون إعياء خلف الصفوف الجادة الزاحفة العارفة بتكاليف الدعوات ولكن هذه الصفوف تظل في طريقها المملوء بالعقبات والأشواك لأنها تدرك بفطرتها أن كفاح العقبات والأشواك فطرة في الإنسان وانه ألذ واجمل من القعود والتخلف والراحة البليدة التي بالرجال، في ظلال القرآن(1 ـ 26) (هؤلاء الذين آثروا الراحة على الجد في ساعة الميسرة، وتخلفوا عن الركب في أول مرة هؤلاء لا يصلحون للكفاح ولا يرجون للجهاد ولا يجوز أن يؤخذوا بالتقاضي ولا أن يتاح لهم شرف الجهاد الذي تخلفوا منهم راضين(فان رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين) ، (إن الدعوات في حاجة إلي طبائع صلبة مستقيمة ثابتة مصحة تصمد في الكفاح الطويل الشاق والصف الذي يتخلله الضعاف والمسترخون لا يصمد لأنهم يخذلونهم في ساعة الشدة فيشيعون فيه الخذلان والضعف والاضطراب فالذين يضعفون ويتخلفون .. يجب نبذهم بعيدا عن الصف وقاية لهم مع التخلخل والهزيمة والتسامح مع هؤلاء جناية على الصف كله.

فتاوى الفقهاء في تنقية الصف

كان للسلف أقوال كثيرة في ذلك فمثال كلام السلف الأول من ذلك استعراض الإمام الشافعي في كتاب الأم لحوادث المنافقين المتتالية عن المشاركة في الغزوات النبوية الكريمة وتنبيه إلى من يشتهر في أجيال المسلمين بعد ذلك بمثل ما وصف به أولئك المنافقون فإنه بقياس عليهم ويعاقب بمثل ما عوقبوا به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت