الصفحة 188 من 216

يقول الشافعي (غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم قفرا أو معه من يعرف نفاقه فانخزل يوم أحد منه بثلاثمائة ثم شهدوا معه يوم الخندق فتكلموا بما حكى الله عز وجل من قولهم ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ثم غزا النبي صلى الله عليه وسلم بني المصطلق لشهدوا معه عددا فتكلموا بما حكى الله من قولهم ونفاقهم ثم غزا غزوة تبوك قوم منهم نفروا ليلة العقبة ليقتلوه فوقاه الله شرهم وتخلف آخرون منهم فيمن بحضرته ثم انزل الله بغزوة تبوك من أخبارهم فقال(ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين) .

قال الشافعي فأظهر الله لرسوله أسرارهم وخبر الساعين لهم وإيتائهم أن يقتنوا من معه بالكذب والإرجاف والتحذير لهم فاخبره انه كره انبعاثهم فثبطهم إذا كانوا على هذه النية وكان فيهم ما دل على أن الله أمر أن يمنع من عرف بما عرفوا به من يمنع يغزوا مع المسلمين لأنه ضرر عليهم.

يقول الشافعي أفمن شهد بمثل ما وصف الله المنافقين ثم يحل للإمام أن يدعه يغزو معه لطلبة فتنته وتخذيله إياهم وان فيهم من يستمع له بالغفلة والقرابة والصداقة وان هذا قد يكون ضررا عليهم من كثير من عددهم (الإمام الشافعي 4 ــ 89) .

واستمر الفقه على هذا حتى استلم رايته بن قدامة المقدسي فقال مولا يصطحب الأمير معه مخذلا وهو الذي يثبط الناس عن غزو ويزهدهم في الخروج إليه والقتال والمشقة مثل أن يقول الحر أو البرد الشديد والمشقة شديدة ولا تؤمن عزيمة هذا ولا راجفا وهو الذي يقول قد هلكت سرية المسلمين وما لهم من عدد ولا طاقة لهم بالكفار والكفار لهم قوة وعدد وصبر ولا يثبت لهم أحد ونحو هذا ولا من يعين على المسلمين بالتجسس للكفار وإطلاعهم على عوارت المسلمين ومكاتبتهم بأخبارهم ولالتهم على عوراتهم أو إيواء جواسيسهم ولا من يوقع المدارة بين المسلين ويسمي بالفساد لقوله تعالى (ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولاوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة) .. ولان هؤلاء مضرة على المسلمين فيلزمه منعهم (المغني لابن قدامة 8 ــ 251) .

غرور الفقيه يمنع تأميره

إننا نجد في فقه عمر بن عبد العزيز رحمه الله ما يسوغ إبعاد الصادق صاحب الخير عن المسؤلية إذا كان فيه نوع من حب الظهور والخيلاء سدًا للذريعة، وصيانة له من احتمالات االإقتنان والجباية على نفسه وعلى الدعوة.

لقد روي أن الراشد الخامس لما ولي الخلافة أرسل إلى أبي عبيد المزجي وكان فقيه فقه الحديث من شيوخ أوزاص ومالك وممن يستعين به الخليفة سليمان بن عبد الملك فقال له عمر هذا الطريق إلى فلسطين وأنت من أهلها فالحق بها، قيل له يا أمير المؤمنين لو رأيت أبي عبيد وتشيره للخير، فقال ذاك أحق ألا تقنه كان ابهةً للعامة (تهذيب التهذيب 12ـ 158)

ولقادة جماعات المسلمين هذا اليوم أن يقولوا لكل داعية يتطلع للسمعة والجاه والمكانة الاجتماعية المرموقة مثل الذي قال عمر لأبي عبيد.

ويفهموه أنه: قد أخطأت بداية الطريق إلى مرادك فمررت بديار دعوة التواضع والبذل والالتزام الخططي وهذه الطريق على ديار أشكالك فالحق بهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت