الصفحة 181 من 216

عقوبة ترك الجهاد

ترك الجهاد هو السبب فيما يعيش فيه المسلمين اليوم من ذل ومهانة وتفرق وتمزق فقد صدق فيهم قول المولى عز وجل (يا أيها الذين آمنوا مالكم إذ قيل لكم انفروا في سبيل الله إثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل {38} إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شئ شهيد {39} ) {التوبة} .

ويقول ابن كثير في تفسير هذه الآيات (هذا شروع في عقاب من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك حين طابت الثمار والظلال في شدة الحر وحمار الفنذا فقال تعالى(يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض) أي إذا دعيتم للجهاد في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أي تكاسلتم وعلتم إلى المقام في الدعة والخلض وطيب الثمار (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة) ما لكم فعلتم هكذا رضا منكم بالدنيا بدلا من الآخرة، ثم زهّد تبارك وتعالى في الدنيا ورغب في الآخرة إلا قليل .. ثم توعد الله تعالى من ترك الجهاد فقال (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما) قال ابن عباس استغفر الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا من العرب فتثاقلوا عنه فأمسك الله عنهم القطر فكان عذابهم (ويستبدل قوما غيركم) أي نصرة نبيه وإقامة دينه، كما قال تعالى (ويستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) (ولا تضروه شيئا) أي ولا تضروا شيئا بتوليكم عن الجهاد وتثاقلتم عنه.

ويقول صلى الله عليه وسلم (لئن تركتم الجهاد في سبيل الله، واخذتم بأذناب البقر وتبايعتم بالعينة، ليلزمنكم الله مذلة في رقابكم لا تنفك عنكم حتى تتوبوا إلى الله وترجعوا على ما كنتم عليه) رواه أحمد، ولا يجب على مسلم أن يرضى أن يكون الآن في صفوف النساء كما اخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جهادهم في الحج والعمرة.

شبهات فقهية والرد عليها

هناك من يخشى الدخول في هذا النوع من القتال محتجًا بأن الذين يواجهونه هم جنود فيهم المسلم وفيهم الكافر .. فكيف نقاتل مسلمين ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أن القاتل والمقتول في النار، ولقد تعرض شيخ الإسلام ابن تيمية لنفس السؤال فكانت مسألة من مسائل الفتاوى الكبرى (517) في أجناد يمتنعون عن قتال التتار ويقولون أن فيهم من يخرج مكرهًا (وللجواب) يقول ابن تيمية (فمن شك في قتالهم فهو أجهل الناس بدين الإسلام وحيث وجب قتالهم قوتلوا وإن كان فيهم المكره باتفاق المسلمين كما قال العباس لما أسر يوم بدر يا رسول الله إني خرجت مكرهًا فقال النبي صلى الله عليه وسلم، أما ظاهرك فكان علينا وأما سريرتك فعلى الله، وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترسوا(أي احتموا) بمن عندهم من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا فانهم يقاتلون وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم وإن لم يخف على المسلمين، فإن جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء المسلمين قولان مشهوران للعلماء وهؤلاء المسلمون إذا قتلوا كانوا شهداء ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدًا فإن المسلمين إذا قاتلوا الكفار فمن قتل من المسلمين يكون شهيدًا ومن قتل شهيدًا وهو في الباطن لا يستحق القتل لأجل مصلحة الإسلام كان شهيدًا.

وقد ثبت في الصحيح عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يغزوا جيش البيت حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم قالت: قلت يا رسول الله أرايت المكره منهم قال يبعث على نيته) فإن كان الذي ينزله الله بالجيش الذي يغزو المسلمين ينزله بالكره عذرها فكيف بالعذاب الذي يعذبهم الله بمأوى بأيدي المؤمنين كما قال تعالى (قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا) ونحن نعلم أنك لا تقدر على التمييز بين المكره وغيره فإذا قتلناهم بأمر الله كنا في ذلك مأجورين ومعذورين وكانوا هم على دعاتهم فمن كان مكرهًا لا يستطيع الامتناع فإنه يحشر على نيته يوم القيامة فإذا قتل لأجل قيام الدين لم يكن ذلك بأعظم من قتل من يقتل من عسكر المسلمين، وأما إذا هرب أحدهم فإن من الناس من يجعل قتالهم بمنزلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت