رأينا في المسألة
نحن نرى أن المالكية قد تشددوا كثيرا في منع قتل النساء والولدان والعجزة والرهبان حتى في حالة التترس، فقد وقف المالكية على طرف نقيض لموقف الشافعية الذين أباحوا قتل الرهبان وكبار السن وكل من عدا النساء والولدان.
ونحن نرى كما يرى الحنفية في جواز قتل هؤلاء جميعا إن اختلطوا في حالة التترس والغارات. ونرى عدم قتلهم جميعا إذا انفردوا عن المقاتله. لأن الصلة في القتل هي المقاتلة: فمن كان من الكفار ذا قدرة علي القتال قاتلناه، ولذا فإنا نرى الحنفية ينصون في باب الجزية أن هؤلاء جميعا لا تؤخذ منهم الجزية لانهم ليسوا أهل القتال.
قال الجصاص (1) [أنظر أحكام القرآن للجصاص 4/ 289] . (ولذا قال أصحابنا: إن لم يكن من أهل القتال فلا جزية عليه فقالوا: من كان أعمى، أو زمنا، أو مفلوجا، أو شيخا كبيرا فانيا وهو موسر، فلا جزية عليه. وهو قولهم جميعا في الرواية المشهورة .. وكذلك النساء والصبيان لا جزية عليهم إذ ليسوا من أهل القتال ... كتب عمر إلى أمراء الجيوش أن لا يقاتلوا الا من قاتلهم) .
والحق أن رأي الحنفية في هذا الباب راجح واضح.
أما الشافعية: فإن العلة في القتل هي الكفر لأن الله عز وجل يقول (فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) ولا يخصص من هذا العموم الا النساء والصبيان وما عدا هؤلاء يقتلون.
وأما الرهبان فكذلك نأخذ برأي الحنفية وهو رأي الجمهور: أن الراهب الذي لا يخالط الناس لا يقتل، أما القساوسة الذين يخالطون الناس فيقتلون وأما الشيخ الهرم فكذلك نأخذ برأي الحنفية وهو رأي الجمهور من المالكية والحنبلية أن لا يقتل: قال الباجي المالكي في شرح وصية أبي بكرليزيد بن أبي سفيان رضي الله عنهم: (يريد الشيخ الهرم الذي بلغ من السن ما لا يطيق القتال، ولا ينتفع به في رأي، ولا مدافعة، فهذا مذهب جمهور الفقهاء أن لا يقتل، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وللشافعي قولان: احدهما مثل قول الجماعة، والثاني يقتل، والدليل لما نقوله، قول أبي بكر رضي الله عنه ولا مخالف له فثبت أنه إجماع) (1) [أوجز المسالك 8/ 231] .
والادلة والعقل بجانب الحنفية في هذا الموضوع، وإن النفس لتشمئز من قتل شيخ كبير في السبعين من عمره، أو قتل راهب منعزل عن الحياة والناس. فكيف إذا كانت النصوص تدعم هذا الرأي.
قطع الشجر وتدمير البنيان
ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنفية إلى جواز ذلك. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع بعض نخيل بني النضير، وبعض أعناب الطائف، وبعض نخيل خيبر، ونصب المنجنيق على الطائف، وأرسل أسامة بن زيد إلى أبنى وقال له: (غر على أبنى صباحا وحر ق) .
قال الباجي:
(أما ما كان من البلاد مما يرجى أن يظهر عليه المسلمون فإنه لا يقطع شجره المثمر، ولا يخرب عماره، لما يرجى من استيلاء الإسلام عليه وانتفاعهم به، وما كان بحيث لا يرجى مقام المسلمين به لبعده في بلاد الكفر، فإنه يخرب عامره ويقطع شجره المثمر وغيره، لأن في ذلك إضعافا لهم وتوهينا واتلافا لما يتقوون به على المسلمين.
قال مالك: