في سماعات يحيى بن أبي كثير وهذا إن دل على شيء فعلى براءة يحيى بن أبي كثير مِنْ التدليس المذموم خصوصًا وبالأدق فيما يرويه عَنْ أنس بن مالك رضي الله عنه وقد رأيت الحافظ ابن حجر العسقلاني يذكره في المرتبة الثانية مِنْ المُدلسين، فقال في كتابه المعروف تعريف أهل التقديس بالموصوفين بالتدليس (ص 29/ت 63) : (( حافظٌ مشهور، كثير الارسال، ويقال لم يصح له سماعا من صحابي، ووصفه النسائي بالتدليس ) )، إلا أنه جعله في المرتبة الثالثة مِنْ المدلسين في كتابه النكت على ابن الصلاح (2/ 643) .
وهذا لا نسلم به للحافظ ابن حجر في النُكت إن الصحيح في هذا أن الإمام يحيى بن أبي كثير بريءٌ مِنْ وصمة التدليس وأن أول مَنْ قال بهِ مُدلسًا هو الإمام النسائي ولذلك فأن احتجاج الإمامين الشيخين الحافظين أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ومُسلم في الصحيح بيحيى بن أبي كثير - رضي الله عنهما - بأحاديث كثيرةٍ قد عنعن فيها! لو كان يحيى في المرتبة الثالثة كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني! ومَنْ احتج بقولهِ فحريٌ به ردُّ كثيرٍ مِنْ الأخبار التي لم يصرح بها يحيى بن أبي كثير - رحمه الله - في الصحيحن بالسماع بل عنعن فيها! ويتضحُ مِنْ فعل الشيخين - رضي الله عنهما - ومنهجهما هو أصح المناهج في نقد السنة أنهم احتجا بيحيى بن أبي كثير مع أنه قد عنعن في الصحيحن! وقد احتج به ابن حبان وابن خزيمة في صحيحهما! ممن لهم شرطٌ قويٌ في رواية المدلس وقد عنعن في روايته في الصحيح! فإن كان ممن لا يقبل حديثه حتى يصرح بالسماع فما قول مَنْ سار على قول ابن حجر - رضي الله عنه - بما رواهُ مُعنعنًا في الصحيحن واحتج به أربابه فكيف يُتهم بالتدليس وهذه التُهمة براءٌ مِنْها الإمام يحيى بن أبي كثير وليس في المرتبة التي تقتضي أن يصرح بالسماع فيما يحدث بهِ وقد رأينا الأئمة وصنيعهم في مرويات يحيى أنهم يحملونها على الاتصال، وهذا إن دل على شيء فعلى أمنهم وإطمئنان القلب لروايات يحيى بن أبي كثير وأنه بريء مِنْ وصمة التدليس، والصحيح أنه كان يكثر مِنْ المرسل الخفي لا التدليس الذي يقصد به الرواة ايهام السماع، لأن روايته معلومٌ عند أهل الصنعة أنها عمَّن لقيه مالم يسمعهُ، وأكثر عبارات الأئمة على أن التدليس قد يراد به