المقدمة: (( الْقَوْلَ الشَّائِعَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، أَنَّ كُلَّ رَجُلٍ ثِقَةٍ رَوَى عَنْ مِثْلِهِ حَدِيثًا، وَجَائِزٌ مُمْكِنٌ لَهُ لِقَاؤُهُ وَالسَّمَاعُ مِنْهُ لِكَوْنِهِمَا جَمِيعًا كَانَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فِي خَبَرٍ قَطُّ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا وَلَا تَشَافَهَا بِكَلَامٍ فَالرِّوَايَةُ ثَابِتَةٌ، وَالْحُجَّةُ بِهَا لَازِمَةٌ، إِلَّا أَنَّ يَكُونَ هُنَاكَ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ أَنَّ هَذَا الرَّاوِي لَمْ يَلْقَ مَنْ رَوَى عَنْهُ، أَوْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَمَّا وَالْأَمْرُ مُبْهَمٌ عَلَى الْإِمْكَانِ الَّذِي فَسَّرْنَا، فَالرِّوَايَةُ عَلَى السَّمَاعِ أَبَدًا حَتَّى تَكُونَ الدَّلَالَةُ الَّتِي بَيَّنَّا ) ).
فلا شك لو أن الراوي نفى السماع عَنْ نفسهِ أو أتت قرينةً على أنه لم يثبت لهُ سماعًا مِنْ الشيخ الذي حدث عنهُ إنتفى القول بالمعاصرة والسلامة مِنْ التدليس وهذا يحيى بن أبي كثير عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - فعلى إمامته وسعة مروياتهِ ولقاءه للصحابي الجليل أنس رضي الله عنه إلا أن أهل العلم كأبي حاتم وابن معين وأحمد بن حنبل قالوا بنفي سماعه مِنْ أنس وقد أعلوا لهُ أحاديثًا بالإنقطاع لمجرد أنه يكون بين وبين مَنْ يحدث عنه راويًا أو راويان فمقتضى كلامهم أنه لا يصح لهُ السماع لادخال الوسائط في روايتهِ.
وهاك ما قاله الإمام مسلم في مُقدمته يثبت لنا أنه يراعي القرائن التي تحيط برواية المعاصر وعنعنته مع سلامته مِن التدليس وثبات المعاصرة إلا أن تكون بينةً فيقول: (( إِلَّا أَنَّ يَكُونَ هُنَاكَ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ أَنَّ هَذَا الرَّاوِي لَمْ يَلْقَ مَنْ رَوَى عَنْهُ، أَوْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَمَّا وَالْأَمْرُ مُبْهَمٌ عَلَى الْإِمْكَانِ الَّذِي فَسَّرْنَا، فَالرِّوَايَةُ عَلَى السَّمَاعِ أَبَدًا حَتَّى تَكُونَ الدَّلَالَةُ الَّتِي بَيَّنَّا ) )فرحم الله الإمام مسلم هُنا يثبت لديك أيها القارئ الكريم أن الإما مسلم كان يراعي هذا الشأن ويأخذ بعين الاعتبار القرائن التي تحيط برواية المعاصر وهو عين ما يقوله الإمام البخاري من ثبوت اللقاء ولو مرة واحدة فالحجة برواية المعاصرِ قائمةً مالم يثبت أنهما لم يلتقيا ولم يثبت أنهما قد سمعا مِنْ بعضهما، أو أن حصلت بينهما مكتابة أو لم يدخل بينه وبين مَنْ حدث عنه وسائطٌ فينفي الإمام مسلم رحمه الله تعالى السماع.
قال الشيخ العوني في إجماع المحدثين (1/ 17) : (( فتأمّل قوله: (( والأمر مبهم ) )، وما تدل عليه من أن الحكم بالاتّصال بين المتعاصرين إنما يقول به مسلم عندما لا تكون هناك مرجّحات