كذلك وصفهُ به العلائي والعراقي والسيوطي وابن العجمي! وكُلهم لم يثبت عنهم أن جزموا بتدليس يحيى بن أبي كثير - رحمه الله - بل قالوا أنه يذكر بالتدليس! ويردون قولهم إلي ما نقلوه عن الإمام النسائي فيكون المرجع الأول في هذا الشأن هو الإمام النسائي - رحمه الله - وبه فإن صاحبنا لا يعدوا أن يكون في الطبقة الثانية مِنْ المدلسين! وهو ممن احتمل حديثه لإمامته وسعة ما يروي، وتدليسهُ هُنا مِنْ قبيل المرسل الخفي وإليك شيئًا مِنْ ما نقله الإمام ابن أبي حاتم عَنْ أبيه في كتابه المراسيل لتعرف الصواب بها.
-قال الإمام ابن أبي حاتم في المراسيل (1/ 240) : (( حَدَّثَنَا عِلُّي بْنُ الْحَسَنِ الْهِسِنْجَانِيُّ نَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ نَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ نَا أَبِي عَنْ حُسَيْنِ الْمُعَلِّمِ قَالَ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَجَّهَ إِلَيَّ مَطَرٌ أَنِ احْمِلِ الدَوَاةَ وَالْقِرْطَاسَ وَتَعَالَ قَالَ فَأَتَيْتُهُ فَأَخْرَجَ إِلَيْنَا صَحِيفَةَ أَبِي سَلَامٍ فَقُلْنَا لَهُ سَمِعْتَ مِنْ أَبِي سَلَامٍ قَالَ لَا قُلْتُ فَمِنْ رَجُلٍ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي سَلَامٍ قَالَ لَا ) ).
هذا وقد وقعت لهُ المعاصرة مع أبي سلام فقد توفي أبي سلام في نيف ومائة! ويحتمل أن يكون أدركهُ ورآه الإمام يحيى بن أبي كثير لأن يحيى قد توفي سنة تسع وعشرين ومائة، فيحتمل أن يكون قد عاصرهُ وكتبه عنده! فما رواه عنه مِنْ قبيل المرسل لا مِنْ قبيل المدلس ولا نعلمهُ وصف بمثل هذا الوصف إلا مِنْ عند النسائي وانفرد بهِ وأعني بانفرد به أنه أول مَنْ قال بمثل هذا القول ولم يكن قبله أحدٌ قد وصفه بمثل هذا الوصف. والله أعلم.
وهذا يثبت أن روايته عن أنس مرسلةً! وقد ثبت أن رآهُ فينتفي لديك أن يكون قد دلسها عَنْ أنس فيقول (1/ 244) : (( سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ لَمْ يُدْرِكْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَنَسًا فَإِنَّهُ رَآهُ رُؤْيَةً وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ) ).
وها هو يقول في عبد الرحمن بن هرمز الأعرج في مراسيله (1/ 242) : (( سَأَلْتُ أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ هَلْ سَمِعَ مِنْهُ قَالَ لَا أرَاهُ سَمِعَ مِنْهُ ) ).