أبي كثير بالتدليس أتى بعد ذلك على ما قاله النسائي - رحمه الله - ولدينا ما يثبت هذا في معرض الحديث، ودليلنا على أن الإمام النسائي إذا ذكر واحدًا في كِتابه المدلسين فليس ذلك (( رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع ) )! فهذا قد يريد به التدليس الخفي وقد يريد به رواية الراوي عمَّن لم تثبت لهُ المُعاصرة أصلا وهو عينُ قولنا المرسل الظاهر.
قال سبط ابن العجمي في التبيين (ص 36) الحسن البصري: (( مِنْ المشهورين بالتدليس ) ).
إلا أن الحافظ ابن حجر قد تعقب سبط ابن العجمي في ذلك فقال في النكت على مقدمة ابن الصلاح وذكر مثالًا على الإرسال الخفي رواية الحسن البصري (2/ 210) : (( المرسل الخفي: ولا يعرفه إلا المدقق في هذه الصناعة، ومن أمثلته أنهم اختلفوا في سماع الحسن من أبي هريرة وورد في بعض الروايات: عن الحسن حدثنا أبو هريرة"فقيل أراد حدث أهل بلدنا وهذا إذا لم يقم دليل قاطع على أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة لم يجز أن يضاف إليه ) )."
والصحيح أن الحسن البصري ممن عرف بالإرسال الخفي لا بالتدليس، ومِنْ ذلك لا يمكن أن يطلب مِنْ الحسن البصري السماع فيما روى وإلا صار حديثهُ مِنْ الكذب وحاشاه رحمه الله تعالى، بل الصحيح على أنه مِمَنْ كان يرسل عمَّن عاصرهُ ولم يثبت لهُ سماعٌ مِنْهُ، وقد تعجبنا مِنْ قول الحافظ ابن حجر في النُكت ما يثبت أن الذي وقع فيه هو الإرسال الخفي إلا أنه وصفهُ بالتدليس في التقريب! وهذا لا يستقيم مع ما قاله في النكت وللإشارة ففي كتاب شيخنا المحدث العوني المرسل الخفي بابًا في مرويات الحسن البصري وعلاقتها بالإرسال وهو بحثٌ نفيسٌ يريحنا مِنْ البحث فيما رواه البصري - رحمه الله - في كُتب السُنن وإثبات ما أثبته الشيخ المحدث فقد كفانا ذلك فعليك بكتابه المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس.
وهذا الأمر فيه تأصيلٌ وتفصيلٌ ولذلك في النكت على مقدمة ابن الصلاح (2/ 2) : (( أن من ذكر التدليس أو الإرسال إذا ذكر بالصيغة الموهمة عمن لقيه فهو تدليس أو عمن أدركه ولم يلقه فهو المرسل الخفي، أو عمن لم يدركه فهو مطلق الإرسال ) ).
واعلم أن مَنْ عرف بأنه كان مُرسلًا أو ورد فيه وصفٌ بالتدليس! والتحقيق أن روايته عمَّن عاصره ولم يلقَ فإن هذا لا يبحث في عنعناتهم كما سيأتيك البيان بل يبحث في أصل السماع