[وفاةُ والدِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأُمِّهِ وجَدِّهِ]
وماتَ أَبُوهُ عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ المطَّلِبِ ورسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدْ أَتَى لهُ ثَمانيَةٌ وعِشرونَ شَهْرًا.
وقالَ بعضُهم: ماتَ أبوهُ وهوَ ابنُ سبعةِ أَشْهُرٍ.
وقالَ بعضُهم: ماتَ أَبُوهُ في دارِ النَّابِغَةِ [1] وهوَ حَمْلٌ.
وقيلَ: ماتَ بالأَبْوَاءِ بينَ مَكَّةَ والمدينةِ [2] .
قالَ أبو عبدِ اللَّهِ الزُّبيرُ بنُ بَكَّارٍ الزُّبَيْرِيُّ: تُوُفِّيَ عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ الْمُطَّلِبِ بالمدينةِ ورسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابنُ شهريْنِ [3] .
ومَاتَتْ أُمُّهُ وهوَ ابنُ أربعِ سنينَ [4] . وماتَ جَدُّهُ عبدُ الْمُطَّلِبِ وهوَ ابنُ ثمانِ سنينَ [5] . وقيلَ: مَاتَتْ أُمُّهُ وهوَ ابنُ ستِّ سنينَ.
(1) دارُ النابغةِ: لأَحَدِ رجالِ بني النجَّارِ بالمدينةِ.
(2) القولُ بأنَّهُ ماتَ بالأَبْوَاءِ اسْتَغْرَبَهُ ابنُ جُمَاعَةَ من الحافظِ عبدِ الغنيِّ، وقالَ: إنَّ المشهورَ أنَّ وَفاتَهُ بدارِ النابغةِ بالمدينةِ عندَ أَخْوَالِهِ بَنِي عَدِيِّ بنِ النَّجَّارِ. انْظُرْ: (المختَصَرَ الكبيرَ) ص (21) .
(3) الراجحُ هوَ ما ذَهَبَ إليهِ الْجُمهورُ، بأنَّ والِدَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبدَ اللَّهِ بنَ عبدِ المُطَّلِبِ تُوُفِّيَ والنبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَنِينٌ في بَطْنِ أُمِّهِ، وهذا أَبْلَغُ الْيُتْمِ وأعلى مَراتِبِهِ، قالَ اللَّهُ تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} [سورة الضحى، الآيَةُ: 6] .
ومِمَّنْ رَجَّحَ هذا القولَ: ابنُ القَيِّمِ، ابنُ كثيرٍ، الذَّهَبِيُّ، ابنُ حَجَرٍ، وابنُ الْجَوزِيِّ. وفي (مُسْتَدْرَكِ الحاكِمِ) ما يُؤَيِّدُهُ (2/ 605) .
وانظُرْ (زادَ الْمَعادِ) (1/ 76) ، (البدايَةَ والنهايَةَ) (2/ 322 - 323) ، (السيرةَ) للذَّهَبِيِّ ص 50، (فتحَ البارِي) (7/ 163) ، (الوفا بأحوالِ الْمُصْطَفَى) (1/ 153) .
(4) كانت وفاةُ أُمِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مَوْضِعٍ يُقالُ لهُ: الأَبْوَاءُ، بينَ مَكَّةَ والمدينةِ، حيثُ كانتْ رَاجعةً بهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منْ عندِ أخوالِ أبيهِ بني عَدِيِّ بنِ النَّجَّارِ بعدَ زِيارتِهم. انْظُرْ: (مُصَنَّفَ عبدِ الرزَّاقِ) (5/ 318) .
وفي الحديثِ أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاستَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فأَذِنَ لِي ) )، رواهُ مسلِمٌ (976) . وفي روايَةٍ عندَ أبي دَاوُدَ (3234) والنَّسَائِيِّ (4/ 90) ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ ذلكَ لَدَى إِتْيَانِهِ قَبْرَ أُمِّهِ، وأنَّهُ بَكَى وأَبْكَى مَنْ حوْلَهُ.
ثمَّ تَوَلَّى حَضَانَتَهُ أُمُّ أيمنَ الحَبَشِيَّةُ، واسْمُها بَرَكَةُ، وكانَ قدْ وَرِثَها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منْ أبيهِ، وقِيلَ: منْ أُمِّهِ، وكانَتْ بهِ بَرَّةً رحيمةً. ولَمَّا تَزَوَّجَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأُمِّ المؤمنينَ خديجةَ أَعْتَقَها، وكانَ يَصِلُها ويُحْسِنُ إليها ويَتَلَطَّفُ معها، حتَّى إنَّها كانتْ تُعامِلُهُ مُعَامَلَةَ الأُمِّ لِوَلَدِها، فَرُبَّمَا أَعْطَتْهُ الطعامَ فلمْ يَأْكُلْهُ، فتَتَسَخَّطُ لذلكَ وتُبالِغُ في أَمْرِهِ بالطعامِ. ولأُمِّ أيمنَ أخبارٌ طَريفةٌ معَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دَوَّنْتُ بعضَها فيما كَتَبْتُهُ عن البيتِ النَّبَوِيِّ، أَسألُ اللَّهَ أنْ يُيَسِّرَ نَشْرَهُ.
ويُنْظَرُ: (سِيَرُ أعلامِ النُّبلاءِ) (2/ 223) ، وتَرجمةُ أُمِّ أيمنَ في (الإصابةِ) لابنِ حَجَرٍ.
(5) جاءَ في (طبقاتِ ابنِ سعدٍ) (1/ 116) أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَتَذْكُرُ موتَ عبدِ الْمُطَّلِبِ؟ قالَ: (( نَعَمْ، أَنَا يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَمَانِي سِنِينَ ) )، قَالَتْ أُمُّ أيمنَ: رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَومئذٍ يَبْكِي خَلْفَ سَرِيرِ عبدِ الْمُطَّلِبِ.
وحَقَّ لرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يَبْكِيَ لموتِهِ؛ فقدْ كانَ يَجِدُ في كَنَفِهِ من الرعايَةِ والعِنايَةِ ما لا يَجِدُهُ أبناءُ عبدِ الْمُطَّلِبِ أنفسُهم، فكان يُقَرِّبُهُ ويُدْنِيهِ، ويَدخلُ عليهِ إذا خَلَا وإذا نامَ، وكانَ يَجْلِسُ في مَجْلِسِهِ وعلى فِراشِهِ.