[وِلادتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] [1]
وَوُلِدَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ عامَ الفيلِ، في شَهْرِ ربيعٍ الأوَّلِ، لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا منهُ، يَوْمَ الاثنَيْنِ.
وقالَ بعضُهم: بعدَ الفيلِ بثلاثينَ عامًا.
وقالَ بعضُهم: بأربعينَ عامًا.
والصحيحُ أنَّهُ وُلِدَ عامَ الفيلِ [2] .
(1) إنَّنا إذا عَرَضْنا هذا الاحتفالَ على هَدْيِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسُنَّتِهِ فَلَنْ نَجِدَ أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد احْتَفَلَ بِمَوْلِدِهِ الشريفِ ولا الصحابةُ ولا التابعونَ، ولوْ كانَ خيرًا لسَبَقُونا إليهِ. وبهذا يُعْلَمُ أنَّ الاحتفالَ بالْمَوْلِدِ يَنْطَبِقُ عليهِ قولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) )، رواهُ البخاريُّ ومسلِمٌ. والمعنى: أنَّهُ مَردودٌ على صاحبِهِ.
ومن الناحيَةِ التاريخيَّةِ، فإنَّ أوَّلَ مَن ابْتَدَعَ الاحتفالَ بالْمَوْلِدِ النبويِّ هم الْخُلفاءُ الفاطميُّونَ (الْعُبَيْدِيُّونَ) الرَّوَافِضُ، وذلكَ في القرنِ الرابعِ الْهِجْرِيِّ.
ويَنبغِي ألَّا يَغْتَرَّ المسلِمُ بكثرةِ مَنْ يَحتفِلُ بِمَولِدِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حتَّى ولوْ كانَ منهم مَنْ يَنتسِبُ إلى العِلْمِ؛ فإنَّ السُّنَّةَ هيَ الْحُجَّةُ في كلِّ أمْرٍ وعلى كلِّ أَحَدٍ، وليسَ أَحَدٌ من الناس بِحُجَّةٍ على هَدْيِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كائنًا مَنْ كانَ، فكُلٌّ يُؤْخَذُ منهُ ويُرَدُّ عليهِ إلَّا الحبيبَ مُحَمَّدَ بنَ عبدِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقد اغْتَرَّ بهذهِ الاحتفالاتِ في الْمَوْلِدِ وما يُصاحِبُها منْ بِدَعٍ ومُنكَرَاتٍ كثيرٌ من الناسِ، خاصَّةً وأنَّها تُنْقَلُ عَبْرَ الْإِذَاعَاتِ وشَبَكَاتِ التَّلْفَزَةِ.
وَلْيُعْلَمْ أنَّ مَحَبَّتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَتْ بإقامةِ احتفالٍ في ليلةٍ من العامِ تُذْكَرُ فيها الأهازيجُ والْمُوَشَّحَاتُ، ورُبَّما تُمَارَسُ فيها أنواعٌ من الْمُنْكَرَاتِ، كما يَقَعُ في كثيرٍ منْ تلكَ الاحتفالاتِ، وإنَّما تكونُ مَحَبَّةُ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باتِّباعِ سُنَّتِهِ والْحَذَرِ منْ مُخالَفَتِها، كما قالَ تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [سورة آلِ عمرانَ، الآيَةُ: 31] .
وانْظُرْ: (مجموعَ فَتَاوَى ومَقالاتِ) (1/ 183) سماحةِ شيخِنا العَلَّامَةِ عبدِ العزيزِ بنِ بَازٍ -رسالةَ التحذيرِ من البِدَعِ.
(2) الصحيحُ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُلِدَ عامَ الفيلِ كما ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وقدْ نَقَلَ الإجماعَ على هذا غَيْرُ واحدٍ منْ أهلِ العِلْمِ؛ منهم: إبراهيمُ بنُ الْمُنْذِرِ الحِزَامِيُّ شيخُ البخاريِّ، كما في (تهذيبِ السيرةِ) للنَّوَوِيِّ ص (20) ، وخليفةُ بنُ خَيَّاطٍ في (تاريخِهِ) ص (53) . وبالتاريخِ الإِفْرِنْجِيِّ يُوافِقُ عامَ (570) أوْ (571) .
وأمَّا مَنْ قالَ: بعدَ عامِ الفيلِ بأربعينَ أوْ ثلاثينَ عامًا، فهذا وَهْمٌ منهُ، فلَعَلَّهُ أَرادَ ثلاثينَ أوْ أربعينَ يَوْمًا. نَبَّهَ لهذا الحافظُ الذَّهَبِيُّ في (السيرةِ) ص (27) .
واتَّفَقَ العلماءُ أنَّ وِلادَتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانتْ في شهرِ ربيعٍ الأَوَّلِ.
وثَبَتَ في (صحيحِ مسلِمٍ) (2/ 820) تحديدُ اليومِ، وهوَ يومُ الاثنَيْنِ؛ حيثُ إنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عنْ صَومِ الاثْنَيْنِ، فقالَ: (( فِيهِ وُلِدْتُ، وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ ) ).
أمَّا تحديدُ تاريخِ اليومِ فالخِلافُ فيهِ كبيرٌ، وأَشهَرُ الأقوالِ أَرْبَعَةٌ: اليومُ الثاني، الثامنُ، العاشرُ، والثانيَ عشَرَ. واللَّهُ أَعْلَمُ.