فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 67

[رَضاعُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]

وأَرْضَعَتْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُوَيْبَةُ جاريَةُ أبي لَهَبٍ [1] .

وأَرْضَعَتْ معهُ حمزةَ بنَ عبدِ الْمُطَّلِبِ، وأبا سَلَمَةَ عبدَ اللَّهِ بنَ عبدِ الأَسَدِ المَخْزُومِيَّ.

أَرْضَعَتْهُم بلَبَنِ ابنِها مَسْرُوحٍ.

وأَرْضَعَتْهُ حَليمةُ بنتُ أبي ذُؤَيْبٍ السَّعْدِيَّةُ [2] .

(1) ثَبَتَ ذلكَ في (صحيحِ البخاريِّ) في مواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ منها (5101) ، و (صحيحِ مسلِمٍ) (1449) ، و (سنَنِ أبي دَاوُدَ) (2056) ، و (النسائيِّ) (6/ 96) .

وثُوَيْبَةُ: بضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ، كانتْ مَولاةً لأبي لَهَبٍ، فأَعْتَقَها، تُوُفِّيَتْ سنةَ سَبْعٍ لِلْهِجْرَةِ، واخْتُلِفَ في إسلامِها.

وقدْ جاءَ في بعضِ الآثارِ، أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ يُرسِلُ إليها الصِّلاتِ والعطايا والكِسوةَ من المدينةِ إليها وهيَ بِمَكَّةَ؛ بِرًّا منهُ وإحسانًا، حتَّى جاءَهُ خَبَرُ وَفاتِها سنةَ سَبْعٍ. انظرْ: (سِيَرَ أعلامِ النُّبلاءِ) (2/ 219) .

(2) على هذا دَلائلُ كثيرةٌ تُثْبِتُ رَضاعَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منْ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ، ومنْ ذلكَ ما أَوْرَدَهُ ابنُ كثيرٍ في (البدايَةِ والنهايَةِ) : (2/ 335) عنْ خالدِ بنِ مَعدانَ، عنْ أصحابِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنَّهُم قالُوا لهُ: أَخْبِرْنا عنْ نَفْسِكَ؟ قالَ: (( نَعَمْ، أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى أَخِي عِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَرَأَتْ أُمِّي حِينَ حَمَلَتْ بِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ، وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ... ) )الحديثَ. قالَ ابنُ كثيرٍ: إِسْنَادُهُ جيِّدٌ قَوِيٌّ، وقالَ في (السيرةِ) ص (34) : رُوِّينَا ذلكَ بإسنادٍ صحيحٍ.

وأَوْرَدَ الشيخُ الأَلْبَانِيُّ في (السلسلةِ الصحيحةِ) رقم 1545.

وبكُلِّ حالٍ، فإنَّ رَضاعَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بني سَعْدٍ منْ حَليمةَ السعديَّةِ مِمَّا تَنَاقَلَهُ العلماءُ، واسْتَقَرَّتْ صِحَّتُهُ لَدَيْهِم؛ لإِطْبَاقِ شُهرتِهِ ورِوايتِهِ. ومِثلُ هذهِ الوقائعِ يُسْتَغْنَى بشُهْرَتِها عن النَّظَرِ في أَسانيدِها، كَتَحَقُّقِنا منْ كَرَمِ حاتمٍ الطائيِّ وَجُودِ عبدِ اللَّهِ بنِ جُدْعَانَ، ونحوِ ذلكَ ممَّا اشْتُهِرَ وتَوارَدَ نقْلُهُ، ولا يُحْفَظُ لهُ إسنادٌ. وانظُر: (البدايَةَ والنهايَةَ) (2/ 333 - 340) ، (مَجْمَعَ الزَّوَائِدِ) (8/ 222) .

تَتِمَّةٌ:

أثناءَ مُكْثِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في باديَةِ سعدٍ جِهةَ الطائفِ عندَ مُرْضِعَتِهِ حليمةَ السعديَّةِ وَقَعَتْ مُعجِزَةٌ عظيمةٌ يُبَيِّنُها ما رواهُ مسلِمٌ في (صحيحِهِ) (261) : عنْ أَنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتاهُ جِبريلُ عليهِ السلامُ وهوَ يَلْعَبُ معَ الغِلمانِ، فأَخَذَهُ فصَرَعَهُ، فشَقَّ عنْ قَلْبِهِ، فاستَخْرَجَ القَلْبَ، فاستَخْرَجَ منهُ عَلَقَةً، فقالَ: هذا حَظُّ الشيطانِ منكَ. ثمَّ غَسَلَهُ في طَسْتٍ منْ ذَهَبٍ بماءِ زَمزمَ، ثمَّ لَأَمَهُ [أيْ: جَمَعَهُ وضَمَّ بعضَهُ إلى بعضٍ] ، ثمَّ أعادَهُ في مكانِهِ. وجاءَ الغِلمانُ يَسْعَوْنَ إلى أُمِّهِ، يَعْنِي: ظِئْرِهِ [أيْ: مُرْضِعَتِهِ] ، فقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا قدْ قُتِلَ. فاسْتَقْبَلُوهُ وهوَ مُنْتَقِعٌ [أيْ: مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ] . قالَ أَنَسٌ: وقدْ كُنْتُ أَرى أَثَرَ ذلكَ الْمَخِيطِ في صَدْرِهِ، يعني أنَّهُ كانَ يَرى أَثَرَ الغَرْزَاتِ والْخِياطةِ في صدرِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وهذهِ الحادثةُ الْمُعجِزَةُ وَقَعَتْ لرسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَوَالَي الأربعَ أو الخَمْسَ سنينَ.

ثمَّ تَكَرَّرَ شَقُّ الصدْرِ مَرَّةً أُخْرَى، وللرسولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نحوٌ منْ خمسينَ سنةً، وذلكَ ليلةَ الإسراءِ.

وشَقُّ الصدرِ في هذهِ المرَّةِ ثَابِتٌ في (صحيحِ البخاريِّ) (3207) ورقم (3887) ، و (صحيحِ مسلِمٍ) رقم (62) كتابِ الإيمانِ. وفيهما أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُ آتٍ منْ رَبِّهِ عندَ البيتِ مَعَهُ طَسْتٌ منْ ذَهَبٍ مَملوءٌ إيمانًا وحكْمَةً، فَشُقَّ من النحْرِ إلى مَرَاقِ البطْنِ، ثمَّ غُسِلَ البطْنُ والقلْبُ بماءِ زَمزمَ، ومُلِئَ حِكمةً وإيمانًا، وأُعيدَ القلْبُ مكانَهُ ... ثمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ الإسراءِ والْمِعراجِ.

قالَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في (الفَتْحِ) (7/ 204 - 205) :"وثَبَتَ شَقُّ الصدْرِ أيضًا عندَ البَعْثَةِ، كما أَخْرَجَهُ أبو نُعَيْمٍ في الدلائلِ، ولكلٍّ منهما حِكمةٌ، فالأَوَّلُ وكانَ زَمَنَ الطفوليَّةِ، فنَشَأَ على أَكْمَلِ الأحوالِ من العِصمةِ من الشيطانِ؛ حيثُ اسْتَخْرَجَ منْ قلبِهِ حَظَّ الشيطانِ منهُ. ثمَّ وَقَعَ شَقُّ الصدْرِ عندَ البَعْثِ زيادةً في إكرامِهِ؛ ليَتَلَقَّى ما يُوحَى إليهِ بقلْبٍ قَوِيٍّ في أَكْمَلِ الأحوالِ من التَّطَهُّرِ. ثمَّ وَقَعَ شَقُّ الصدْرِ عندَ إرادةِ الْعُرُوجِ إلى السماءِ؛ لِيَتَأَهَّبَ للمُنَاجَاةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تكونَ الْحِكمةُ في هذا الغُسْلِ؛ لِتَقَعَ المُبَالَغَةُ في الإِسْبَاغِ بحُصولِ المرَّةِ الثالثةِ كما تَقَرَّرَ في شَرْعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ."

وجميعُ ما وَرَدَ في شَقِّ الصدْرِ واستخراجِ القلْبِ وغيرِ ذلكَ من الأمورِ الخارقةِ للعَادةِ مِمَّا يَجِبُ التسليمُ لهُ دُونَ التَّعَرُّضِ لِصَرْفِهِ عنْ حقيقتِهِ؛ لصَلاحيَةِ القُدرةِ، فلا يَستحيلُ شيءٌ منْ ذلكَ". اهـ"

وهذا التنبيهُ الأخيرُ من ابنِ حَجَرٍ فيهِ رَدٌّ على مَنْ جاءَ بَعْدَهُ من الذينَ اسْتَعْظَمُوا تلكَ الْمُعجِزاتِ وحاوَلُوا تَشكيكَ المسلمينَ فيها معَ ثُبوتِها قَطْعًا، كما فَعَلَ عددٌ من المُسْتَشْرِقينَ ومَنْ نَحَا نَحْوَهم من العَقْلَانِيِّينَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت