فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 67

[ابتداءُ الوحْيِ]

فلمَّا بَلَغَ أربعينَ سنةً [1] اخْتَصَّهُ اللَّهُ بكَرامتِهِ، وابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ [2] .

أَتاهُ جِبريلُ عليهِ السلامُ وهوَ بغَارِ حِرَاءَ، جَبَلٌ بِمَكَّةَ [3] ، فأقامَ بِمَكَّةَ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً.

وقيلَ: خَمْسَ عَشْرَةَ، وقيلَ: عَشْرًا.

والصحيحُ الأَوَّلُ [4] .

(1) جَزَمَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في (الفتحِ) (7/ 164) أنَّ عُمْرَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حينَ أُنْزِلَ عليهِ كانَ أَربعينَ سنةً وسِتَّةَ أَشْهُرٍ؛ وذلكَ على اعتبارِ ما ثَبَتَ في (الصحيحِ) ، أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ على رَأْسِ أربعينَ، وأنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنْزِلَ عليهِ في رمضانَ. وعلى المشهورِ منْ أنَّ مَوْلِدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شهرِ ربيعٍ الأَوَّلِ، وهذا مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ؛ حيثُ لمْ يَذْكُر الكُسورَ على عادةِ العرَبِ في ذلكَ.

(2) ثَبَتَ في (صحيحِ البخاريِّ) (2) و (4922) و (4924) وغيرِهِ، أنَّ أوَّلَ ما أُنْزِلَ على النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {اقْرَأْ} ، وبها نُبِّئَ، ثمَّ أُرْسِلَ بِـ {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ} إلى قولِهِ تعالى: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [سورة المُدَّثِّرِ، الآيات: 1 - 7] ، فكانَ أوَّلُ ما أُمِرَ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنْ يُنْذِرَ عنهُ هوَ الشرْكَ، معَ أنَّ المشرِكينَ كانَ عندَهم من الزِّنَا وشُرْبِ الخمرِ والظلمِ والعدوانِ الشيءُ الكثيرُ والعظيمُ، ومعَ ذلكَ بدأَ بالدعوةِ إلى التوحيدِ والتحذيرِ من الشرْكِ. مَكَثَ على ذلكَ ثلاثَ عشرةَ سنةً، حتَّى إنَّ الصلاةَ على عِظَمِها لمْ تُفْرَضْ إلَّا بعدَ البَعثةِ بعَشرِ سِنينَ.

وهذا يُبَيِّنُ أَهَمِّيَّةَ التوحيدِ ووجوبَ العنايَةِ بهِ؛ فهوَ أوَّلُ وأَهَمُّ ما عُنِيَ بهِ الأنبياءُ والرُّسُلُ جميعًا، كما أَخْبَرَ اللَّهُ عنهم في كتابِهِ العظيمِ، وأنَّهُ سبحانَهُ أمَرَهم بذلكَ: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [سورة الأنبياءِ، الآيَةُ: 25] ، وأَخْبَرَ سبحانَهُ أنَّ أَوَّلَ دَعوةِ الأنبياءِ: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ... } [سورة الأعرافِ، الآيَةُ: 59] .

وفي هذا تَنبيهٌ لكلِّ مَنْ دَعَا إلى اللَّهِ أنْ يَبْدَأَ بهذا الأَمْرِ العظيمِ، وأنْ يَعْتَنِيَ بهِ غايَةَ العِنايَةِ.

(3) يُكَلِّفُ بعضُ المسلمينَ أنْفُسَهم بصُعُودِ هذا الجبَلِ وزيارتِهِ في مَوْسِمِ الْحَجِّ وغيرِهِ، ويَفعلونَ ذلكَ تَقليدًا وابتغاءً للأَجْرِ، وبعضُهم يَتَجَشَّمُونَ المجيءَ إليهِ ويَظُنُّونَهُ مَوْطِنَ دُعاءٍ وذِكْرٍ، ويَأْتُونَ بالأَدْعِيَةِ والأذكارِ. وهذا العَمَلُ بِدْعَةٌ مَرْدُودةٌ على صَاحِبِها، قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) )، رواهُ البخاريُّ (2697) ومسلمٌ (1718) .

وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ:"فإنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعدَ أنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بالنُّبُوَّةِ لمْ يكُنْ يَفعلُ ما فَعلَهُ قبلَ ذلكَ من التَّحَنُّثِ في غارِ حِراءَ أوْ نحوِ ذلكَ، وقدْ أقامَ بِمَكَّةَ بعدَ النُّبُوَّةِ بِضْعَ عشرةَ سنةً، وأَتَاهَا بعدَ الهجرةِ في عُمْرَةِ القَضِيَّةِ، وفي غَزوةِ الْفَتْحِ، وفي عُمرةِ الْجِعْرَانَةِ، ولمْ يَقْصِدْ غارَ حِراءٍ. وكذلكَ أصحابُهُ منْ بعدِهِ لمْ يكُنْ أحَدٌ منهم يأتي غارَ حِراءٍ ... إلخ" (مجموعُ الفَتَاوَى) (18/ 11) .

(4) ودليلُهُ ما ثَبَتَ عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما قالَ: أُنْزِلَ على رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهوَ ابنُ أربعينَ، فمَكَثَ بِمَكَّةَ ثلاثَ عشرةَ سنةً. ثمَّ أُمِرَ بالهجرةِ إلى المدينةِ، فمَكَثَ بها عشرَ سنينَ. ثمَّ تُوُفِّيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رواهُ البخاريُّ في مَواضِعَ، منها (3851) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت