فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 67

فصلٌ

[نَشْأَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ، وخُرُوجُهُ معَ عمِّهِ أبي طالبٍ إلى الشامِ، وزَوَاجُهُ بخَديجةَ]

ونَشَأَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَتِيمًا يَكفُلُهُ جَدُّهُ عبدُ الْمُطَّلِبِ، وبعْدَهُ عمُّهُ أبو طالبِ بنُ عبدِ الْمُطَّلِبِ.

وطَهَّرَهُ اللَّهُ عزَّ وجَلَّ منْ دَنَسِ الجاهليَّةِ ومِنْ كلِّ عَيْبٍ [1] ، ومَنَحَهُ كلَّ خُلُقٍ جميلٍ، حتَّى لمْ يكُنْ يُعْرَفُ بينَ قومِهِ إلَّا بالأمينِ؛ لِمَا شاهَدُوا منْ أَمَانَتِهِ وصِدْقِ حَديثِهِ وطَهارتِهِ.

"فلَمَّا بَلَغَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سنةً خرَجَ معَ عَمِّهِ أبي طالبٍ إلى الشامِ، حتَّى بَلَغَ بُصْرَى [2] ، فرآه بَحِيرَا الرَّاهِبُ، فعَرَفَهُ بِصِفَتِهِ."

فجاءَ وأَخَذَ بيدِهِ وقالَ: هذا سَيِّدُ العالَمِينَ، هذا رسولُ ربِّ العالمينَ، هذا يَبْعَثُهُ اللَّهُ رحمةً للعالَمينَ.

فقيلَ لهُ: وما عِلْمُكَ بذلكَ؟ قالَ: إنَّكُمْ حينَ أَقْبَلْتُمْ من العَقَبَةِ لمْ يَبْقَ شَجرةٌ ولا حَجَرٌ إلَّا خَرَّ ساجدًا، ولا يَسْجِدُونَ إلَّا لِنَبِيٍّ، وإنَّا نَجِدُهُ في كُتُبِنا. وسألَ أبا طالبٍ، فرَدَّهُ خَوْفًا عليهِ من اليهودِ" [3] ."

(1) روى البخاريُّ (364) ومسلمٌ (340) عنْ جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ يَنْقُلُ معهم الحجارةَ للكعبةِ وعليهِ إِزَارُهُ، فقالَ لهُ العَبَّاسُ عمُّهُ: يا ابنَ أَخِي، لوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فجَعَلْتَ على مَنْكِبَيْكَ دونَ الحجارةِ، قالَ: فَحَلَّهُ فجَعَلَهُ على مَنْكِبَيْهِ، فسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُؤِيَ بعدَ ذلكَ عُرْيَانًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

(2) بُصْرَى: بضَمِّ الباءِ وإسكانِ الصادِ، مدينةٌ جنوبَ غَرْبِ سُورِيَّةَ (مُعْجَمَ البلدانِ: 1/ 441) .

(3) هذهِ إحدى رواياتِ قِصَّةِ بَحِيرا الراهبِ وخَبَرِهِ معَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْرَدَها المُؤَلِّفُ هنا مُخْتَصَرَةً، وهيَ عندَ التِّرمذيِّ (3620) ، وخَرَّجَها الحاكِمُ في (الْمُسْتَدْرَكِ) (2/ 615 - 617) ، وقالَ: هذا حديثٌ صحيحٌ على شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولمْ يُخَرِّجَاهُ.

قالَ الذهبيُّ في (تلخيصِهِ) :"أَظنُّهُ مَوْضُوعًا، فَبَعْضُهُ باطلٌ". وقالَ في (السيرةِ) ص (57) :"هوَ حديثٌ مُنْكَرٌ جِدًّا".

واستَغْرَبَ مَتْنَهُ الحافظُ ابنُ كثيرٍ في (البدايَةِ والنهايَةِ) (2/ 348) ؛ وذلكَ لذِكْرِ أبي بكرٍ وبلالٍ في بعضِ رواياتِهِ، وقالَ في (السيرةِ) ص (36) :"رجالُ إسنادِ الترمذيِّ ثِقاتٌ".

وقالَ الإمامُ ابنُ الْقَيِّمِ في (زادِ الْمَعادِ) (1/ 76) :"إنَّ هذهِ النُّقْطَةَ من الغَلَطِ الواضحِ".

وقدْ أجابَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ عنْ هذا الإِشْكَالِ فقالَ:"وَرَدَتْ هذهِ القِصَّةُ بإسنادٍ رِجالُهُ ثِقاتٌ منْ حديثِ أبي موسى الأشعريِّ، أَخْرَجَها التِّرمذيُّ وغيرُهُ، ولمْ يُسَمِّ فيها الراهبَ، وزادَ فيها لَفْظَةً مُنْكَرَةً، وهيَ قولُهُ: وأَتْبَعَهُ أَبُو بكرٍ بلالًا. وسببُ نَكَارَتِها أنَّ أبا بكرٍ حينئذٍ لمْ يكُنْ مُتَأَهِّلًا، ولا اشْتَرَى يَومئذٍ بلالًا، إلَّا أنْ يُحْمَلَ على أنَّ هذهِ الجملةَ الأخيرةَ مُنقطِعَةٌ منْ حديثٍ آخَرَ وأُدْرِجَتْ في هذا الحديثِ. وفي الجملةِ هيَ وَهْمٌ منْ أَحَدِ رُوَاتِهِ" (الإصابةُ) (1/ 293) .

ومِمَّنْ صَحَّحَ هذا الحديثَ من العلماءِ المعاصِرينَ الشيخُ العَلَّامَةُ مُحَمَّد ناصر الدِّينِ الألبانيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في (صحيحِ سُنَنِ الترمذيِّ) (3/ 191) ، و (الْمِشْكَاةِ) (5918) ، وقالَ: لكنَّ ذِكْرَ بلالٍ فيهِ مُنْكَرٌ كما قِيلَ.

ومِمَّنْ أَسنَدَ هذا الخبرَ: البَزَّارُ في (مُسْنَدِهِ) كما ذكَرَ ابنُ الْقَيِّمِ في (زادِ الْمَعَادِ) (1/ 77) ، وابنُ عساكِرَ في تاريخِ دِمشقَ ص (1 - 8) (السيرةِ) منْ عِدَّةِ طُرُقٍ، وابنُ إسحاقَ في (السيرةِ) ص (53) ، والبيهقيُّ في (دَلائلِ النُّبُوَّةِ) (2/ 24 - 26) ، وأبو نُعَيْمٍ في (الدلائلِ) ص (170 - 172) ، وابنُ أبي شَيْبَةَ في (الْمُصَنَّفِ) (11782) (18390) ، والخَرَائِطِيُّ في (هواتِفُ الجانِّ وعَجيبُ ما يُحْكَى عن الْكُهَّانِ) (مخطوطٌ لوحةٌ 97) ، إضافةً للتِّرْمِذِيِّ والحاكمِ كما تَقَدَّمَ، وغَيْرُهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت