قال الإمام الشاطبي-رحمه الله تعالى-:(إن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة، ولا الأخذ بها تقليدًا له، وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع، ولذلك عُدت زلة [1] ، وإلا فلو كانت معتدًا بها، لم يجعل لها هذه الرتبة، ولا نُسب إلى صاحبها الزلل فيها ...
كما أنه لا بنبغي أن يُشَنَّع عليه بها، ولا يُنتقص من أجلها، أو: يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتًا، فإن هذا كله خلاف ما تقتضي رتبته في الدين ...
إنه لا يصح اعتمادها-أي: زلة العالم-خلافًا في المسائل الشرعية؛ لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاد، ولا هي من مسائل الاجتهاد [2] ، وإن حصل من صاحبها اجتهاد، فهو لم يصادف فيها محلًا، فصارت في نسبتها إلى الشرع [3] كأقوال غير المجتهد، وإنما يعد في الخلاف الأقوالُ الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة، كانت مما يقوى أو: يضعف.
وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل أو: عدم مصادفته فلا؛ فلذلك قيل: إنه لا يصح أن يعتد بها في الخلاف، كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في:
1 -مسألة ربا الفضل،
2 -والمتعة،
3 -ومحاشي النساء
وأشباهها من المسائل [4] التي خفيت فيها الأدلة على من خالف فيها) [5] .
(1) -وقد بين شيخنا أبو الفضل فيما سيأتي أن الزلة مخالفة الأمر سهوًا، ثم أحال على كتاب: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:77) للقاضي زكرياء بن محمد الأنصاري.
(2) -الاجتهاد لغة: افتعال من الجهد (بالفتح والضم) وهو الطاقة والمشقة. واصطلاحًا: استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل الظن بالحكم. انظر: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:72) للقاضي زكرياء بن محمد الأنصاري.
(3) -الشرع في لغة العرب: البيان. واصطلاحًا: تجويز الشيء أو: تحريمه، أي: جعله جائزًا أو: حرامًا. انظر: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:69) للقاضي زكرياء بن محمد الأنصاري.
(4) -قال ابن مسعود: (ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلًا، إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر) . انظر: (جامع بيان العلم وفضله) (2/ 988/رقم:1882) .
(5) -انظر: (الموافقات) (5/ 136/137/ 139) . للإمام الشاطبي.