واستعانته، والخطاب يشعر بالقرب، إذ لا يخاطب إلا من يسمع الخطاب. فاشعر الالتفات بأنه قريب يسمع دعاء الداعين ومعاهدة المعاهدين.
فائدة: اختلف النحاة في «إياك» . فقال الخليل: «إيا» اسم مضمر، أضيف لما بعده للبيان لا للتعريف، كقولهم: «إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب» . وقال المبرد: هو اسم مبهم أضيف للتخصيص لا للتعريف وقال الكوفيون: إياك بكماله اسم مضمر، ولا يعرف مضمر يتغير آخره غيره. وقيل الكاف، والهاء، والياء مضمرات، ولا تكون إلا متصلات، و «إيا»
عماد لها. هذا إذا تقدمت الأفعال، فإن تأخرت عن الفعل اتصلت به، ولم ترد عمادا. وقيل: «إيا» اسم مبهم يكني به عن المنصوب ولواحقه للبيان لا إعراب لها.
فائدة: العرب تخرج من التكلم إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى المغايبة. وأحسن ما ذكر في ذلك أبيات امرئ القيس: حكاية عن نفسه:
تطاول ليلك بالإثمد = ونام الخلي ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة = كليلة ذي العائر الأرمد
وذلك من نبأ جاءني = وخبرته عن أبي الأسود
فخرج من الخطاب للغيبة، ثم للمتكلم، فجمع بين ضميري خطاب [وضميري غيبة] وضميري التكلم، ويسمى هذا «الالتفات» ، ويسمى التلوين.
فائدة: قول الله عز وجل: «قسمت الصلاة بيني وبين
عبدي نصفين» الحديث، يدل على أمور، منها: أن «نستعين» طلب بلفظ الخبر. الثاني: أنه قدم إياك نعبد على إياك نستعين، لكونه ما لله يقدم على ما للعبد لأنه أشرف، وليقع في قسم ما لله. وإن كان قد قيل: الاستعانة - وهي خلق القدرة - متقدمة على الفعل، فكان ينبغي أن يتقدم في اللفظ. إلا أن ما ذكرناه أولى، لأن تقديم الأشرف قاعدة مشهورة ولأن وقوع ما لله في النصف الذي لله مناسب. الثالث: أن البسملة ليست من الفاتحة، لأنها لو كانت من الفاتحة [لكانت] آية بانفرادها لوجود الفاصلة فيها، وهي الميم. وإن كنت آية فيكون حد القسمة بين الله عز وجل وبين العبد {مالك يوم الدين} ، لكن النص على خلاف [ذلك] . وقيل: على هذا ظاهر النص ليس مرادًا، لأن الصلاة ليست مقسومة بالإجماع بدليل السورة التي تقرأ مع الفاتحة بل المقسوم بعض القراءة، وهي الفاتحة، فيكون التقدير: قسمت بعض قراءة
الصلاة، وبعض قراءة الصلاة لا يستلزم الفاتحة، والمقسوم عندنا الفاتحة، ونحن نقول به.
قوله عز وجل: {اهدنا الصراط المستقيم} (1: 5) .