فائدة: قال ابن عطية: اختلف في وصل الرحيم بالحمد لله، فروى عن أم سلمة الوقف بتسكين الميم، وقرأ به جماعة من الكوفيين. وقرأ الجمهور بوصل الميم بالحمد وخفض الميم، إما بالإعراب، وإما لأنه سكن ثم حرك لالتقاء الساكنين، والأول أخصر.
وحكى الكسائي عن بعض العرب: فتحم الميم بإلقاء حركة الألف عليها، وليست قراءة
قوله عز وجل: {الحمد لله رب العالمين} (1:1) .
الحمد والمدح مترادفان، والثناء أعم منهما، لأنهما لا يكونان إلا في الخير، إما لإثبات صفة كمال، أو سلب صفة نقص، والثناء قد يكون في الخير والشر، لأنه من «الثني» الذي هو الانعطاف، وقد يعطف عليه شرًا، وقد يعطف عليه خيرًا. وقيل الثناء مختص بالخير. وقيل: مشترك كالنثا.
وفي لام الحمد ثلاثة أقوال:
قيل: للاستغراق، وأن الله أثنى بجميع المحامد على نفسه بطريق التفصيل. ويصح أن يكون مأمورًا به على هذا التقدير، بمعنى: إنا نحمده بجميع المحامد على سبيل الإجمال، كقولنا: الله خالق كل شيء، والملك لله، وإما
على سبيل التفصيل فذلك، متعذر على العباد.
وقيل: الألف واللام للعهد، ويكون المعهود ما ورد في الشرائع المنزلة. فيكون أمرنا أن نحمده بما عهدناه من الحمد، وذلك ممكن لنا.
وقيل: هي إشارة للجنس أي إلى الحقيقة من حيث هي حقيقة المعهود بيننا، وهو رأي الزمشخري. ومعناه: أن هذا المصدر أقيم مقام الفعل، وكذلك قال سيبويه فقال: نقول: الحمد لله مريدا به في حالة الرفع ما تريد به في حالة النصب، أي إذا قلت: الحمد لله، فأنت قائل: نحمد الله الحمد مثل: «أرسلها العراك» ، أي أرسلها تعترك، واللام إشارة للجنس، ويتأيد ذلك بالحديث الصحيح: «فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال
الله عز وجل: حمدني عبدي»، فقد صرح بعين الفعل، ولو كانت للاستغراق، وأن الله أثنى بها على نفسه لكنا نحكي ما قال الله تعالى، وحاكي الحمد ليس بحامد، كما أن حاكي الكفر ليس بكافر. اللهم إلا أن يقول صاحب هذا المذهب: إن اعتقادنا - مع التلفظ به - بخلاف الحاكي فإنه لا يعتقد. وهذا سؤال لا دفع له. ويترجح جانب الحكم بأن الحامد على مذهبه أخبر أن المحامد كلها استقرت لله.
وأما على رأي الزمخشري فيكون حمد هذا وحده هو الذي حكم باستقراره لله. فإن قيل هذا مشكل، لأنه إذا كان معنى الحمد له: نحمد الله، فهذا وعد بالحمد، لا أنه حمد، ولا يلزم من الوعد بالشيء حصوله. وعلى هذا فما معنى قوله: «حمدني عبدي» ولو قدرت الفعل ماضيًا: أي حمدت الله لكان إخبارًا عن وقوع الحمد في الزمان الماضي، ولم يقع منه شيء في الزمان الماضي، فيكون ذلك خبرًا غير مطابق، لكن الله عز وجل قد أخبر بكرمه أن عبده قد حمده، فكيف معنى: «الحمد لله» .