والجواب من وجهين أحدهما: أن هذا من باب وصف الصفة بما يستحقه الموصوف، كقولهم: شعر شاعر. وجنونك مجنون. الثاني: أن أصل الريب القلق، وسمي الشاك
[فوائد في مشكل القرآن: 139]
مرتابًا، لأن الشاك ربما يقلق. ثم في هذه الآية استعمل «مريب» على بابه الأول، والتقدير: وإنهم لفي شك مقلق. وهذا كلام صحيح.
قوله عز وجل: {فاستقم كما أمرت} ... (11: 112) .
كيف يصح التشبيه [لأن «ما» : إما أن يكون بمعنى الذي، فيكون تقديره كالذي أمرت به، أو بمعنى المصدر. فيكون تقديره: كأمرك، وأياما، فلا يصح التشبيه بالأمر ولا بالمأمور [به] .
والجواب من وجهين، أحدهما: أن الأمر إذا كان المأمور متلبسًا به لا يتصور في تلك الحالة وقوع المأمور به، فصار وقوع المأمور به من صفات الأمر، إذ هو من لوازمه. فكأنه يقول أوقع المأمور به كالأمر، لأن الاستقامة هي إيقاع المأمور به، فهو تشبيه وقوع المأمور به في الخارج بوقوعه في العلم حالة الأمر. والثاني: أن بعض شراح الدريدية قال: الكاف بمعنى
[فوائد في مشكل القرآن: 140]
على، وهذا ظاهر.
قوله عز وجل: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} . (11: 118، 119) .
الإشارة بـ «ذلك» ، وهي لا يشار بها إلا إلى البعيد، لماذا؟ إن كانت للفظ فهو قريب، فلا تحسن اللام، وإن كانت لمدلول اللفظ فيشكل أيضًا، لأنه لا يصدق عليه البعد إلا إذا وقع في زمان بعيد عن زمان الخطاب، والاختلاف باق في زمان الخطاب.
والجواب: أنه أشار إلى المعنى باعتبار لفظه، لأن لفظه بعيد. وأحسن ما قيل في بعد الألفاظ لأنها أصوات، والمستحيل أبلغ في بعده من البعيد.
ومن الناس من قال: الإشارة للاختلاف فقط - ومنهم من قال: الإشارة للرحمة. والله أعلم.
[فوائد في مشكل القرآن: 141]
سورة يوسف عليه السلام (12)
قوله عز وجل: {وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا} ... (12: 30) .
فيه سؤالان. الأول: ما معنى قولنا: راودته عن كذا بحرف «عن» ، وعن لا تكون إلا للمجاوزة.
الثاني: أن الشغاف جلد على ظاهر القلب. إذا امتلأ القلب وانتفخ لأمر ما ملأ شغافه، وإذا تفرغ انكمش الشغاف. إذا تقرر هذا فكيف يحسن تعظيم الحب بأنه وصل إلى الشغاف. بل هذا يدل على ضعفه وأنه ما وصل بعد إلى القلب.
والجواب عن الأول: أنه قد قيل إنه ضمن معنى «صرف» لأن المراود يصرف المراود عما عنده إلى ما عنده، «وصرف» يتعدى بـ «عن» ، فعدى هذا بها.
وعن الثاني: أن معنى شغفه الحب، أن الحب قد ملأ قلبه حتى فاض وملأ الشغاف ووصل إليه، لا أنه ابتدأ من خارج القلب، ووصل إلى الشغاف فقط.