على عمومه لزم الجمع بين مجازين على حقيقة واحدة. وقولنا: على حقيقة واحدة احتراز عن التجوز عن المجاز، كما إذا عبرنا عن مقدمات عقد التزويج بالنكاح. فإن النكاح حقيقة في تداخل الأجسام. فإطلاقه على سببه الذي هو العقد، مجاز ثم تجوزنا به عن العقد إلى مقدماته. ومثل هذا المجاز كثير في كلامهم، وإنما القليل ما ذكرناه، وهو مجاز أيضًا، لأن مجموع المجازين لم يوضع له اللفظ،
وهو مرجوح لقلة الاستعمال.
وبيان أنه يلزم الجمع بين مجازين: أنه يندرج فيه ما سيقع، وهو مجاز، وما وقع ومضى، وهو مجاز. ويلزم أيضًا الجمع بين الحقيقة والمجاز، لأنه يندرج فيه ما هو واقع في الحال وغيره، وهو مرجوح. فلم يبق شيء يليق حمل كتاب الله عليه إلا ما سيقع في مثل هذا السياق، وإن كان السياق في أمر ماض نخصص العام به. ونقول هذا تعبير عن الشيء بما كان عليه، إذ لو عممنا للزم ما ذكرناه.
والجواب عن السؤال الثاني: أن المبالغة لما تعذر حملها على كل فرد، وجب صرفها إلى مجموع الأفراد التي دل السياق عليها. وكذلك قوله عز وجل: {والله بكل شيء عليم} يستحيل عوده إلى كل فرد، إذ العلم بالشيء الواحد لا يصح التفاوت فيه، فيجب صرفه إلى عموم كل [شيء] . وكأن المعنى: أن معلومات الله أكثر من معلومات غيره. وكذلك حفيظ.
ويمكن أن يجاب بأنا عبرنا بـ «شيء» في قولنا: {بكل شيء عليم} عن الشيء ولواحقه، فيكون من باب إطلاق الجزء بإرادة الكل
قوله عز وجل: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار} ... (2: 25) .
(مشكل) ، لأن الألف واللام في الصالحات، تعم كل أفراد الصالحات، فعلى هذا لا تكون البشارة إلا لمن فعل كل الصالحات، وليس كذلك.
والجواب: أن الألف واللام لبيان الجنس، لا للاستغراق [فهو يبشر كل من حصلت له حقيقة الجنس في أي أنواع الجنس] على حسب ما تعين لكل مكلف عن جهاد أو صلاة.
فائدة: الجنة اسم للشجر، لا للشجر والأرض.
وهو مصدر محدود. وسمي به لأنه من جن يجن جنا: إذا ستر. والجيم والنون في لسان العرب لا يكون إلا لما فيه ستر، نحو، الجُنَّة: للدرقة. والجان: لأنه خفي عن العيون. والمجن: الترس لأن الإنسان يستتر به عن السهام.
فائدة: والحكم بالجمع على الجمع على قسمين: تارة يثبت الجمع لكل واحد من آحاد المحكوم عليه، كقوله عز وجل: «لهم جنات تجري من تحتها الأنهار» . وجنات جمع قلة - وقد ذكر في معرض المدح والامتنان - وهو دون العشرة، لو وزع على أهل الإيمان لما حصل لأحد منهم شيء ينتفع به، ولا يحسن الامتنان بالنزر اليسير. فتعين أن يثبت الجمع لكل واحد من آحاد المحكوم عليه. وكقوله: {فاجلدوهم ثمانين جلدة} ، فإنه ليس فيه توزيع أيضًا.