عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يُلدَغ المؤمنُ من جحرٍ واحدٍ مرتين) .
اليد الأولى للاكتشاف والثانية لماذا يا مغتر؟! أهو أمن الجاهل من حيّات الطريق وعقاربها؟! أم أنه ظن السوء أنه يمكن أن تنقلب الضواري حملًا وديعًا؟! فيا لجهالات المغترين بالبريق الزائف عن ماضي أجدادهم وتاريخهم وما أصابهم!!
ثم يا أيها المغتر تفكر: هذا"جحر"مخفي داخله ولذلك أذن لك أن تمد يدك الأولى مكتشفًا، فمالك قد نمت آمنًا في وكر سباع وجماع أفاع لها ضباع تحت الشمس مكشوف؟!
في حيرة تحقيق الشهادة على الخلق تندفع الحيات والعقارب والسعالي تؤزها شياطينها بحرارة الخبث وسم الكراهية للحق لتقتنص الركب وأهله -ولا يزالون- سعياًَ وراء سعي، ومكرًا وراء مكر -بل مكر الليل والنهار- حتى إذا أصابوا غرة من غافل أو ضعيف لدغوا نشرًا للسم فيه وفي الجماعة، وحينها يتعطل الركب أو يضعف، هؤلاء هم"جحور"الباطل التي يجب على الجماعة أن تردمها، ثم يطين عليها فلا يكون لها روح ولا بقاء، وهذا الذي أمر الله به نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: (و لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض لنغرينّهم بك ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلًا، ملعونين أين ما ثقفوا أخذوا وقتّلوا تقتيلًا) وبهذا قمعت الجحور وردمت في الصدر الأول.
لحكمة عظيمة جرت أحداث السماء بين أبينا آدم عليه السلام وعدوه إبليس لتقع العبرة أن العداء هو العداء (إنّ الشّيطان لكم عدوّ فاتّخذوه عدوًّا) وقد ذكر الله أمر الشيطان وعداءه فلم يذكر طريقًا للتعامل معه سوى الاستعاذة منه وتوقي طرقه ومكره، فهو عدو لا يأتي منه إلا الشر، فهذا هو طريق الحكمة مع"الشياطين"الذين يتقون في"الجحور"، فإن للظلمة والرطوبة التي يعيشون في أجوائها ميزة علمتهم المكر الذي يستدعي"الكمون"القائم على الصبر الطويل في انتظار اللحظة الملائمة لبث سمومها والإيقاع بضحاياها.
من أعظم هؤلاء شرًا وسمًّا هم أهل"التقية"، فهي جحر الأفاعي الرطب المظلم الخبيث، ربوا على الحقد وقيح الحكايا الباطلة، وأشربت قلوبهم"النواح الحقود"يبيتون على طوى الذل والخنوع حتى إذا سنحت لهم فرصة"اللدغ"نشطوا لها لا يردعهم دين ولا خلق، يتحالفون مع الكفر الصريح ليشفوا نار غليلهم من المسلمين، هذا دأبهم وسيرتهم مع كل حلقات التاريخ، فيا لتعاسة الذين لا يقرؤون التاريخ ويعتبرون به، بل يمرون عليه مرور الجهل قائلين: هذا زمان يختلف، وقد تغير الناس، ولكل زمن ظروفه، وما علموا أن القيم والعقائد هي هي لم تتغير وإن تزينت بزي جديد وبلباس خادع متطور.
إن المؤمن شرطه"الاعتبار"فمن لم يعتبر بما يصيبه لن يعتبر بما قُصّ عليه عن غيره، فإن كانت الندوب التي في جسمه لا يلتفت إليها فكيف له أن يرى ما يقع مع الآخرين؟! هذا"الاعتبار"هو الذي يجعله يراكم المعارف والتجارب ويضعها نصب عينه في مسيرته ورحلته مع العبودية لرب العالمين، أما أولئك الذين يظنون أن شرط الإيمان"الغفلة"فهؤلاء حقيق بهم الزوال وغلبة الأعداء عليهم، بل اتخاذهم مطايا لتنفيذ مخططات الأعداء بهم، وإن من أخطر الذنوب التي يقع فيها المؤمن هو أن يكون يدَ شرٍّ لأعداء الله تعالى وهو يحسب أنه يحسن صنعًا، وحال هؤلاء كحال المبتدع إذ لا توبة له، لأنه يظن أنه على حق وصواب، بل يموت في سبيل هذا، وهو في الحقيقة يخدم أعداء الله، وهذه"البدعة"الكبرى وهي التي تتعلق بالعمل لدين الله هي التي يجب أن نتكلم عنها أكثر من غيرها من البدع"الشخصية"والفردية، إذ البدع الفردية مردها على صاحبها، أما البدع التي تتعلق بالعمل الإسلامي فهذه ضلالاتها تعود على الأمة بمجموعها، وهذا الذي يقع، فإن كثيرًا من العاملين لدين الله تعالى إنما يخدمون الشيطان وجنده، بل هم من"دوابهم"ومطاياهم وهم لا يشعرون، وسبب ذلك"الغفلة"وعدم الاعتبار والنظر.