لابدّ من بناء خفي للأرواح، من تسبيح واستغفار وقيام ليل ودعاء بالغيب، ولابد من بناء عملي لها بالعلم والإعداد وبالهجرة، حتى تأتلف القلوب وتتعارف وتصبح"جنودًا"لا"غبار طريق"، وحتى يعرف الناس بعضهم بعضًا تعارفًا كمعرفة الإبن بأمه والأخ بأخيه والابن بأبيه، وبمثل هذه العلاقة لا تزيد المحن الجند إلا اتحادًا وقوة، فإن الأم لا تدع ابنها حتى لو أخطأ أو مرض أو ضعف، وكذا الأب والأخ، وهذه هي"صبغة الله"، وهي لا تذوب ولا تزول مهما تقادم عليها الزمن، فها نحن نرى على مدار التاريخ حب المحدثين لإمامهم أبي هريرة حبًا خاصة ومثله لأمنا عائشة رضي الله عنها وأنس بن مالك، حيث تجتمع الصبغة ويتوارث أهل هذه"الصبغة"الحب جيلًا بعد جيل كما يتوارث الناس الأنساب، بل أشد، وكذا نرى حب العلماء لعمر وابن مسعود ومن سار على دربهم حبًا خاصًا لاتفاق"الصبغة"التي يتوارثونها، صبغة تسري في الأرواح، وما من مجاهد يذكر أمامه خالد بن الوليد أو أبا عبيدة عامر بن الجراح وأمثالهما إلا ونراه قد انشرحت نفسه وعرف ذلك من قسمات وجهه وذلك لاتفاق"الصبغة"التي تلاءمت معها النفوس واشتركت بها.
إنها مهمة"التجنيد"وهي مهمة الأنبياء وأتباعهم من أجل صناعة"صبغة الله"في أرواح الخلق فاللهم اجعلنا من أهلها.
في هذا الحديث العظيم تنبيه أن المؤمن لا يحبه إلا مثله وكذا الكافر، فالذين يطلبون رضا الكافرين عنهم، وأن يقولوا فيهم كلمة إنصاف هم واهمون، إذ هذا لن يكون حتى تتعارف الأرواح بما تؤمن به، وكم من حديث قال فيه الرجل لنبينا صلى الله عليه وسلم كلمة بغض وكراهية، فهو أبغض الخلق إليه، فما أن يؤمن الرجل حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه وأهله والناس أجمعين، لأنها الأرواح وما تحمل، ولذلك الزاني يحب مثله وكذا المرابي والمشرك والفاسق، والمؤمن يحب مثله، فالذاكر يحب الذاكرين وكذا المصلي والمجاهد والعالم وذلك لاتحاد الصبغة وتلاؤم الأرواح.