فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 299

مَن كَثُرَتْ صلاتُه بالليلِ حَسُنَ وجهُهُ بالنهارِ. وإنما أرادَ ثابتًا لزُهْدِه ووَرَعِه، فظَنَّ ثابتٌ أنه روى هذا الحديث مَرفوعًا بهذا الإسنادِ، فكان ثابتٌ يُحَدِّثُ به عن شَريكٍ عن الأعمَشِ عن أبى سُفيانَ عن جابِرٍ.

وقالَ ابنُ حِبَّانَ: وهذا قولُ شَريكٍ قالَه عَقِبَ حَديثِ الأعمَشِ عن أبي سُفيانَ عن جابِرٍ: (( يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ) ). فأدْرَجَه ثابتٌ في الخبَرِ ثم سَرَقَه منه جماعةٌ ضعفاءُ وحَدَّثُوا به عن شَريكٍ، فعلى هذا هو مِن أقسامِ الْمُدْرَجِ.

وقالَ ابنُ عَدِيٍّ: إنه حديثٌ مُنْكَرٌ لا يُعْرَفُ إلاَّ بثابِتٍ وسَرَقَه منه مِن الضُّعفاءِ عبدُ الحميدِ بنُ بحرٍ وعبدُ اللهِ بنُ شُبْرُمَةَ الشَّرِيكِيُّ وإسحاقُ بنُ بشْرٍ الكاهِلِيُّ وموسى بنُ محمَّدٍ أبو الطاهرِ الْمَقدسيُّ.

قالَ: وحَدَّثَنا به بعضُ الضعفاءِ عن رَحْمَوَيْهِ وكَذَبَ؛ فإنَّ رَحْمَوَيْهِ ثِقَةٌ، قالَ: وبَلَغَنِي عن محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ نُمَيْرٍ أنه ذُكِرَ له هذا الحديثُ عن ثابتٍ فقالَ: باطلٌ شُبِّهَ على ثابتٍ.

وذلك أنَّ شَريكًا كان مَزَّاحًا وكانَ ثابتٌ رَجُلًا صالِحًا فيُشْبِهُ أنْ يكونَ ثابتٌ دَخَلَ على شَريكٍ وكان شَريكٌ يقولُ: حَدَّثَنا الأعمَشُ عن أبي سُفيانَ عن جابِرٍ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ فالتَفَتَ فرأى ثابِتًا فقالَ يُمَازِحُهُ: مَنْ كَثُرَتْ صَلاتُه بالليلِ حَسُنَ وجْهُه بالنهارِ. فظَنَّ ثابتٌ لغَفلتِه أنَّ هذا الكلامَ الذي قالَه شَريكٌ هو مَتْنُ الإسنادِ الذي قَرَأَهُ فحَمَلَه على ذلك، وإنما ذلك قولُ شَريكٍ وقالَ العُقَيْلِيُّ: إنه حديثٌ باطل ليس له أصْلٌ ولا يُتابِعُه عليه ثِقَةٌ.

وقالَ عبدُ الغنيِّ بنُ سعيدٍ: كلُّ مَن حَدَّثَ به عن شَريكٍ فهو غيرُ ثِقَةٍ. وقد قالَ ابنُ مَعينٍ في ثابتٍ هذا: إنه كذَّابٌ.

وقولُه: وَهْلَةٌ، أيْ: غَفلةٌ، ومنه قولُ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها في الحديثِ الصحيحِ: (إنه لم يَكْذِبْ ولكنَّه وَهِلَ) أيْ: ذَهَبَ وَهْمُه إلى ذلك.

(239) ويُعْرَفُ الوضْعُ بالاقرارِ ومَا نُزِّلَ مَنْزِلَتَهْ ورُبَّمَا

(240) يُعْرَفُ بالرِّكَّةِ قُلتُ اسْتَشْكَلاَ الثَّبَجِيُّ القطْعَ بالوَضْعِ عَلَى

(241) ما اعْتَرَفَ الواضِعُ إذ قد يَكْذِبُ بلى نَرُدُّهُ وعنه نُضْرِبُ

قالَ ابنُ الصَّلاحِ: وإنما يُعْرَفُ كونُ الحديثِ مَوضوعًا بإقرارِ واضِعِه أو ما يَنْزِلُ مَنزِلَةَ إقرارِه. قالَ: وقد يَفهمونَ الوَضْعَ مِن قَرينةِ حالِ الراوي أو الْمَرْوِيِّ، فقد وُضِعَتْ أحاديثُ طَويلةٌ يَشْهَدُ بوَضْعِها ركاكةُ ألفاظِها ومَعانِيها. انتهى.

ورُوِّينَا عن الربيعِ بنِ خثيمٍ قالَ: إنَّ للحديثِ ضَوْءًا كضَوْءِ النهارِ تَعْرِفُه، وظُلْمَةً كظُلمةِ الليلِ تُنْكِرُه، قالَ ابنُ الْجَوْزِيِّ: واعلَمْ أنَّ الحديثَ الْمُنْكَرَ يَقْشَعِرُّ له جِلْدُ الطالِبِ للعلْمِ ويَنْفِرُ منه قلْبُه في الغالِبِ وقد استَشْكَلَ ابنُ دقيقِ العيدِ الاعتمادَ على إقرارِ الراوِي بالوضْعِ فقالَ: هذا كافٍ في ردِّه، لكن ليس بقاطِعٍ في كونِه مَوضوعًا، لجوازِ أنْ يَكْذِبَ في هذا الإقرارِ بعينِه.

وهذا هو الْمَعْنِيُّ بقولِي: (استَشْكَلَ الثَّبَجِيُّ) وهو ابنُ دقيقِ العيدِ، وربما كانَ يَكتُبُ هذه النِّسْبَةَ في خَطِّه؛ لأنه وُلِدَ بثَبَجِ البحْرِ بساحِلِ يَنْبُعَ مِن الْحِجَازِ.

ومنه الحديثُ الصحيحُ: (يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ) أيْ: ظَهْرَه، وقيلَ: وسَطَه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت