المقلوبُ
(242) وقَسَّمُوا المقلوبَ قِسمينِ إِلَى ما كان مَشهورًا برَاوٍ أُبْدِلاَ
(243) بواحدٍ نظيرِهِ كي يَرْغَبَا ... فيه للاغرابِ إذا ما استَغْرَبَا
أيْ: مِن أقسامِ الضعيفِ المقلوبُ وهو قِسمانِ:
أحَدُهما: أنْ يكونَ الحديثُ مَشهورًا براوٍ فيُجْعَلَ مكانَه راوٍ آخَرُ في طبقتَه ليَصيرَ بذلك غَريبًا مَرغوبًاَ فيه، كحديثٍ مَشهورٍ بسالِمٍ فجُعِلَ مكانَه نافِعٌ، وكحديثٍ مشهورٍ بمالِكٍ فجُعِلَ مكانَه عُبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، ونحوِ ذلك، ومِمَّنْ كانَ يَفعلُ ذلك مِن الوَضَّاعِينَ حَمَّادُ بنُ عمرٍو النَّصِيبِيُّ وإسماعيلُ بن أبي حَيَّةَ الْيَسَعَ وبَهلولُ بنُ عُبيدٍ الكِنْدِيُّ.
مثالُه حديثٌ رواه عمرُو بنُ خالدٍ الْحَرَّانِيُّ عن حَمَّادِ بنِ عمرٍو النَّصِيبِيِّ عن الأَعْمَشِ عن أبى صالِحٍ عن أبي هُريرةَ مَرفوعًا: (( إِذَا لَقِيتُمُ الْمُشركينَ في طريقٍ فلا تَبدؤوهم بالسلامِ ) )الحديثَ. فهذا حديثٌ مقلوبٌ، قَلَبَه حَمَّادُ بنُ عمرٍو أحَدُ المتروكينَ، فجَعَلَه عن الأَعْمَشِ، وإنما هو معروفٌ بسُهيلِ بنِ أبي صالِحٍ عن أبيه عن أبي هُريرةَ، هكذا رواه مسلِمٌ في صحيحِه مِن روايةِ شُعبةَ والثوريِّ وجريرِ بنِ عبدِ الحميدِ وعبدِ العزيزِ بنِ محمَّدٍ الدراوَرْدِيِّ كلُّهم عن سُهيلٍ.
قالَ أبو جَعفرٍ العُقيليُّ: لا نَحفظُ هذا مِن حديثِ الأعمَشِ، إنما هذا حديثُ سُهيلِ بنِ أبي صالِحٍ عن أبيه؛ ولهذا كَرِهَ أهْلُ الحديثِ تَتَبُّعَ الغرائبِ، فإنه قَلَّمَا يَصِحُّ منها، كما سيأتي في بابِه، واللهُ أعْلَمُ.
(244) ومنه قَلْبُ سَنَدٍ لِمَتْنِ ... نحوُ امتحانِهم إمامَ الفَنِّ
(245) في مِائةٍ لَمَّا أتى بَغْدَادَا فرَدَّهَا وَجَوَّدَ الإسنادَا
هذا هو القِسْمُ الثاني مِن قِسْمَيِ المقلوبِ، وهو أنْ يُؤْخَذَ إسنادُ مَتْنٍ فيُجعلَ على مَتْنٍ آخَرَ، ومَتْنُ هذا فيُجعلَ بإسنادٍ آخَرَ، وهذا قد يُقْصَدُ به أيضًا الإغرابُ فيكونُ ذلك كالوضْعِ.
وقد يُفعلُ اختبارًا لِحِفْظِ الْمُحَدِّثِ، وهذا يَفعلُه أهْلُ الحديثِ كثيرًا، وفي جوازِه نظَرٌ، إلاَّ أنه إذا فَعَلَه أهلُ الحديثِ لا يَسْتَقِرُّ حديثًا، وإنما يُقصَدُ اختبارُ حفْظِ المحدِّثِ بذلك أو اختبارُه هل يَقبلُ التلقينَ أمْ لا.
وممن فعَلَ ذلك شُعبةُ وحَمَّادُ بنُ سَلمةَ، وقد أنْكَرَ حَرْمِيٌّ على شُعبةَ لَمَّا حَدَّثَه بَهْزٌ أنَّ شُعبةَ قَلَبَ أحاديثَ على أبانِ بنِ أبي عَيَّاشٍ فقالَ حَرْمِيٌّ: يا بِئْسَ ما صَنَعَ، وهذا يَحِلُّ.
فمِمَّا فعَلَه أهلُ الحديثِ للاختبارِ قِصَّتُهم مع البُخاريِّ ببغدادَ، أخْبَرَنِي محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ الْمَيْدُومِيُّ، أخْبَرَنا أبو الفرَجِ عبدُ اللطيفِ بنُ عبدِ الْمُنْعِمِ بنِ عليٍّ الْحَرَّانِيُّ أنا أبو الفرَجِ عبدُ الرحمنِ بنُ عليِّ بنِ محمَّدِ بنِ الْجَوْزِيِّ الحافظُ قِراءةً عليه وأنا أَسْمَعُ ببغدادَ (ح) وأَخْبَرَني محمَّدُ بنُ إبراهيمَ بنِ محمَّدٍ البَيَانِيُّ بقِرءاتِي عليه، واللفظُ له قالَ: أنا يوسفُ بنُ يعقوبَ الشيبانِيُّ كتابةً، أخْبَرَنا أبو اليُمنِ الكِنْدِيُّ قالَ: أنا أبو منصورٍ القَزَّازُ أنا الخطيبُ حَدَّثَني محمَّدُ بنُ أبي الحسَنِ الساحليُّ أنَّ أحمدَ بنَ الحسَنِ الرازيَّ قالَ: سَمِعْتُ أبا أحمدَ بنَ عَدِيٍّ يقولُ: سَمِعْتُ عِدَّةَ مشايِخٍ يَحْكُونَ أنَّ محمَّدَ بنَ إسماعيلَ البخاريَّ قَدِمَ بغدادَ فسَمِعَ به أصحابُ الحديثِ فاجْتَمَعوا وعَمَدُوا إلى مائةِ حديثٍ فقَلَبُوا مُتُونَها وأسانيدَها، وجَعَلوا متْنَ هذا الإسنادِ لإسنادٍ آخَرَ، وإسنادَ هذا المتْنِ لمتْنٍ آخَرَ، ودَفَعُوا إلى عشرةِ أنْفُسٍ إلى كلِّ رجُلٍ عشرةَ أحاديثَ، وأَمَرُوهم إذا حَضَرُوا المجلِسَ يُلْقُون ذلك على البخاريِّ، وأَخَذُوا الموعِدَ للمجلِسِ فحَضَرَ المجلِسَ جماعةُ أصحابِ الحديثِ مِن الغُرباءِ مِن أهلِ خُراسانَ وغيرِهم ومِن البَغدادِيِّينَ.
فلَمَّا اطمأنَّ المجلِسُ بأهلِه انْتَدَبَ إليه رجُلٌ مِن العشرةِ فسَأَلَه عن حديثٍ مِن تلك الأحاديثِ فقالَ البخاريُّ: لا أعرِفُه. فسألَه عن آخَرَ فقالَ: لا أعْرِفُه. فما زالَ يُلْقِي عليه واحدًا بعدَ واحدٍ حتى فَرَغَ مِن عشرتِه والبخاريُّ يقولُ: لا أَعْرِفُه. فكان